تونس ودائرة النفوذ الفرانكفوني

7

صادق مجلس النواب التونسي على الاتفاقية المبرمة بين الحكومة والمنظمة الدولية للفرانكفونية بشأن مكتب إقليمي للمنظمة يكون مقرّه تونس. وعلى الرغم من أن الاتفاق تم توقيعه زمن الحكومة السابقة برئاسة يوسف الشاهد (15 إبريل/ نيسان 2019)، إلا إن الصبغة القانونية للاتفاق تم إقرارها ضمن أشغال مجلس النواب الحالي.

وتمنح الاتفاقية للمنظمة الفرانكفونية امتيازاتٍ وحصاناتٍ سيتمتّع بها مكتبها. كما تعترف الحكومة التونسية من خلاله بالشخصية القانونية الدولية للمنظمة، وبأهليّتها في التعاقد واقتناء الأموال الثابتة والمنقولة، وحقها في التقاضي. وقد دافع وزير الخارجية التونسي، نور الدين الري، عن هذه الاتفاقية، واعتبرها إنجازا سيمنح تونس مزيدا من الإشعاع الثقافي، على حد تعبيره.

بعيدا عن المنطق الدبلوماسي، فإن المصادقة على الاتفاقية، واحتضان تونس المكتب الإقليمي السابع للمنظمة، والاستعدادات الجارية لاحتضان القمة الفرانكفونية الثامنة عشرة في تونس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وإذا أضفنا إليها مخلفات زيارة رئيس الجمهورية، قيس سعيد، أخيرا إلى باريس، والوضع الإقليمي العام والصراع على النفوذ في المتوسط، كلها عوامل تجيز الحديث عن محاولة فرنسية لتشكيل مشهد سياسي دولي، وتقوم خلاله بتوظيف كل أوراق المناورة التي في حوزتها.

تاريخيا، كانت تونس عضوا مؤسسا في المنظمة الفرانكفونية الدولية، ولم يكن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة يخفي إعجابه الشديد بالثقافة الفرنسية، وهو ما جعل الأنظمة التعليمية والثقافية التونسية مرتبطة عضويا بالثقافة الفرنسية. وبالإضافة إلى الولاء السياسي الذي كان يبديه النظام في تونس، طوال حكمي بورقيبة وزين العابدين بن علي، فقد نجحت الدعاية الفرنسية في تخليق شريحة من التونسيين من ذوي التوجهات الفرانكفونية التي تدافع عن الارتباط الدائم بين دولة الاحتلال السابق ومستعمرتها في شمال أفريقيا.

تاريخيا، كانت تونس عضوا مؤسسا في المنظمة الفرانكفونية الدولية، ولم يكن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة يخفي إعجابه الشديد بالثقافة الفرنسية

عندما بدأت الشرارة الأولى للثورة التونسية، في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، لم تتوقع الجهات الفرنسية أن المظاهرات الشعبية ستنهي حكم حليفها بن علي، ولم تتأخر السلطات الفرنسية وقتها في تقديم الدعم للنظام، سواء من حيث التصريحات الرسمية التي عبرت عنها وزيرة الخارجية الفرنسية في ذلك الوقت، ميشال آليو ماري، من حيث تأكيدها على وقوف بلادها إلى جانب النظام، أو من حيث الدعم المادي بتزويد نظام بن على بالتجهيزات والأدوات اللازمة لفض المظاهرات والاحتجاجات. ومع سقوط النظام، ثم تشكيل حكومة الترويكا، ووصول المنصف المرزوقي إلى الرئاسة، ظهر خطاب سياسي في تونس يحاول النأي بنفسه تدريجيا عن الحلف الفرنسي، من دون القطيعة معها، فقد كانت توجهات مسؤولي تلك المرحلة تقوم على الاستفادة من الزخم الثوري في المنطقة العربية، بغرض تحقيق أكبر قدر ممكن من استقلالية القرار، ووصل الأمر إلى إدانة التدخل العسكري الفرنسي في مالي، على لسان وزير الخارجية التونسي في ذلك الوقت. وحاليا، تحاول فرنسا استعادة حضورها في شمال أفريقيا، خصوصا في ظل الصراع المرير على النفوذ في المتوسط الذي يشهد تدخل قوى أخرى ولاعبين جدد، أبرزها الحضور التركي المتصاعد والتدخل الروسي الذي لا يخفي رغبته في مزيد من التمدّد في مناطق كانت تعتبر سابقا مواقع نفوذ أوروبية وأميركية.

لم تتأخر السلطات الفرنسية عن دعم نظام بن علي، عند اندلاع الثورة التونسية، بتصريحات لوزيرة الخارجية في حينه ميشال إليو ماري

وقد حرصت فرنسا على تحويل الفرانكفونية إلى نوع من الإيديولوجيا التي تجمع بين الأبعاد الثقافية والسياسية والاقتصادية، فهي تحرص على بقاء لغتها مهيمنةً على أروقة الإدارة في تونس، بالإضافة إلى ظلها الثقيل الذي تلقيه على النظام التعليمي، وحرص “النخب” الفرانكفونية النافذة في البلاد على الحد من انتشار اللغة الانكليزية، وما يوازي هذا الموقف هو استمرار النفوذ السياسي الفرنسي في تونس، وجعل سياستها الخارجية مرتهنةً بالمحور الفرنسي، وفي الوقت نفسه، بقاء الدولة التونسية ضمن دائرة المصالح الاقتصادية الفرنسية، استثمارا وتداينا ومبادلات. والحقيقة أن الرئيس التونسي، قيس سعيد، في زيارته أخيرا إلى باريس لم يخف إعجابه بفرنسا، وتحدث عن ثقافته الفرنسية ومطالعته لما يكتبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبدا متماهيا تماما مع الموقف الفرنسي في ما يخص الملف الليبي، وأثار حالة من الجدل في البلاد بتصريحه الذي ينفي تهمة الجرائم ضد الإنسانية عن الاحتلال الفرنسي لتونس، بل ونفي تسمية الاحتلال ذاتها، معتبرا ما كان واقعا يندرج ضمن “الحماية” كما يصطلح عليه قانونا.

حرصت فرنسا على تحويل الفرانكفونية إلى نوع من الإيديولوجيا التي تجمع بين الأبعاد الثقافية والسياسية والاقتصادية

يدرك المتابع أن الفرانكفونية والدولة الراعية لها تمران بمرحلة انعدام وزن، وحالة من التراجع الثقافي والسياسي، فلم تعد الفرنسية لغةً مهمة، أو مؤثرة، بقدر صعود لغات أخرى، بالإضافة إلى الإنكليزية، كالصينية مثلا. ومحاولة فرنسا استغلال الاضطراب السياسي في تونس، لجعلها من أجنداتها الإقليمية، وخدمة مصالحها ضمن صراعاتها الدولية، ستفقد تونس كثيرا من العلاقات المهمة والمصالح الاقتصادية التي هي في حاجة إليها. والأجدى أن تتجنب البلاد الإغراق في الولاء لقوة إقليمية محددة، تخدم مصالحها أولا وقبل كل شيء. وفي الوسع الاستفادة من الجغرافيا السياسية لتصنع البلاد التونسية نوعا من التميز الدبلوماسي، عبر العلاقة مع المحيط المتوسطي (بقواه المتعدّدة)، والاستفادة من القوى الدولية المختلفة، وهو ما يبدو أن السياسة الخارجية التونسية، للأسف، لا تراهن عليه حاليا، ولا تسعى إلى تحقيقه.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here