الهزيمة في ليبيا والصراع السياسي في تونس

4

لم تكن سيطرة قوات حكومة الوفاق الشرعية في ليبيا على قاعدة الوطية أقل وطأة على اللواء المتقاعد المتمرد خليفة حفتر ومليشياته منها على مؤيديه في تونس، فقد أثارت التهنئة التي وجهها رئيس البرلمان التونسي، راشد الغنوشي، إلى رئيس المجلس الرئاسي الليبي، رئيس الحكومة فائز السراج، جدلا واسعا، وانتقلت من انتقاد تجاوز رئيس البرلمان صلاحياته إلى صراع برلماني عكس حالة اصطفاف سياسي تونسي معلن، بين مؤيدي حكومة الوفاق في طرابلس وأنصار حفتر المصطفين وراءه سياسيا.

كان في الوسع أن يتم احتواء حالة الجدل السياسي في حدّها الأدنى، خصوصا أن البرلمان التونسي يواجه تهما بإضاعة الوقت للنقاش في قضايا جانبية، وما يتبعها من عجز عن القيام بدوره التشريعي، والتقدّم نحو إرساء المحكمة الدستورية (وهي قضية ذات أولوية)، ليتحوّل إلى حلبة صراع سياسوي متواصل بين أحزابٍ لا يتقن ناشطوها غير التخندق وراء شعارات غائمة المعنى.

لم يكن غريبا أن تتقدّم كتلة الحزب الدستوري الحر بمشروع لائحةٍ لإعلان رفض البرلمان التونسي التدخل الخارجي في ليبيا، ولتخص دولتين بالذكر في هذه اللائحة، تركيا وقطر، فهذا الحزب، وهو سليل النظام السابق الذي أطاحته ثورة 2011، لا يخفي تخندقه مع التحالف الإماراتي السعودي، واصطفافه إلى جانب كل القوى المعادية لثورات الربيع العربي. وعلى الرغم من أن كتلة هذا الحزب لا تزيد عن 16 نائبا، إلا أنه تمكّن من اجتذاب كتل برلمانية أخرى إلى جانبه، ورفع عدد النواب المؤيدين لمشروع لائحته إلى 94 نائبا.

على الرغم من تبرير بعض القوى البرلمانية المؤيدة موقفها بأن اللائحة قد تم تعديلها عبر حذف الإشارة المباشرة لتركيا وقطر في مشروع اللائحة، وتعويضها بالإشارة إلى البيان الصادر عن البرلمان العربي المنعقد في القاهرة بتاريخ 15/1/2020، والذي اقتصر على إدانة التدخل التركي تحديدا دون غيره، فإنه يمكن القول إن الحزب الدستوري الحر قد استطاع أن يحقق المطلوب منه، إدخال البرلمان التونسي في متاهة الصراعات الجانبية والاصطفاف خلف المحاور الإقليمية، فقد نال مشروع اللائحة المعدل تأييد نواب الحزب الدستوري والكتل النيابية القريبة منه في التوجهات (نواب حزب يوسف الشاهد ونواب حزب نداء تونس بالإضافة إلى نواب حركة الشعب ذات التوجه القومي)، وليصبح الحزب الدستوري الحر قائدا لمعسكر المناوئين للثورة، ويعيد الاصطفافات السياسية إلى مرحلة الثنائية السياسية، بدعوى مواجهة الإسلام السياسي، وتحديدا حركة النهضة.

كان واضحا حرص القوى الإقليمية المؤيدة لخليفة حفتر على أن تصدُر لائحةٌ كهذه عن البرلمان التونسي، في ظل الهزائم المتتالية التي مني بها حليفهم على الأرض، وقد حرصت قنوات إماراتية، مثل الحدث والغد وسكاي نيوز، بالإضافة إلى العربية، على نقل مباشر لوقائع جلسة البرلمان، ولم يكن هذا من قبيل العمل الإعلامي المعتاد، بقدر ما يندرج ضمن تحشيد دعائي لإنجاح القوى التابعة لهم ضمن أروقة البرلمان التونسي.

على الرغم من سقوط مشروع اللائحة لعدم تحقق النصاب القانوني الكافي لها، إلا أن هناك جملة من الوقائع ينبغي إثباتها. فقد تمكن الحزب الدستوري الحر، عبر لائحته والتحشيد النيابي لها، من كشف حالة التصدّع التي يعيشها الائتلاف الحاكم، فحركة الشعب التي قامت بدور نشيط في دعم مشروع القرار تشارك في حكومة الياس الفخفاخ إلى جانب حركة النهضة، وهو ما ينطبق على حزب يوسف الشاهد. ومن جهة أخرى، فإن الكتلة الديمقراطية التي تضم نواب حركة الشعب ونواب التيار الديمقراطي عرفت انقساما واضحا في المواقف بين النواب القوميين المؤيدين للائحة الحزب الدستوري الحر وبين نواب حزب التيار الديمقراطي الذين رفضوا المشاركة في التصويت على اللائحة. ويمكن القول إن الحملة الموجهة ضد راشد الغنوشي (بوصفه رئيسا للبرلمان ورئيسا لحركة النهضة)، قدّمت خدمة سياسية للرجل، من خلال استعادة مفردات الخطاب الإقصائي ضد التيار الإسلامي عموما، وصولا إلى شيطنته والمطالبة بإلغائه من المشهد السياسي، وهو ما منح الغنوشي فرصة لمزيد من الإمساك بزمام الأمور في حزبه الذي بدأ يشهد تململا في الأشهر الماضية. وكلما بدأ شق في حركة النهضة يفكر بمنطق حزبي، ويطالب بالتداول على رئاسة الحركة، والخروج من شرنقة الماضي، يظهر الأغبياء الذين يهددون الرجل من خلال خطاب زمن المخلوع بن علي ومفرداته التي تعيد التفاف القواعد حول رئيس حركتها.

ما زال المشهد السياسي يتسم بنوع من الطفولية السياسية، وأحيانا شخصنة المواقف والصراعات، والمبالغة في ردود الفعل، بما أضاع وقتا ثمينا على الشعب الذي كان ينتظر مواصلة تركيز مؤسساته الدستورية وبناء أجهزة الدولة ضمن انتقالها الديمقراطي. وعلى الرغم من أنه من الصعب نفي الدور الخارجي في تحريك قطع الشطرنج في الداخل، إلا أن هذا التصور لا يكفي لفهم حالة التذبذب في الأداء السياسي، وتخندق البعض وراء مواقف سياسية أو أيديولوجية بالية، وكأن ثورة لم تقع، وأن تحولا سياسيا نحو الديمقراطية لم يقطع خطواتٍ واسعة لا يمكن إنكارها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here