هل تسقط “الكورونا” الانقلاب على الفصل 20 كما أسقطت الثورة الانقلاب على الفصل 10؟

3

بقلم : سليم غريس *

تتواصل تداعيات عقد المجلس الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل أيام 24 و25 و26 أوت 2020 على الأوضاع الداخلية للمنظمة وعلى سلامة المشاركات والمشاركين في أشغال هذا المجلس والمواكبين له من خارج النزل. ويتساءل عديد النقابيات والنقابيين على مدى مصداقية الرواية الرسمية لتسرب العدوى لأعضاء المجلس الوطني والظروف التي حصلت فيها. وأصبحت للعديدين قناعة بأن مخرجات المجلس الوطني وعدوى الكوفيد19 وملابساتها ستكون لهما انعكاسات على الأوضاع الداخلية للمنظمة وعلى وضعية النواة الصلبة للقيادة -أي المجموعة التي تخطط- المتسببة في كل الذي جرى.

وكأننا بالظروف تعاند الانقلابيين للمرة الثانية وتمهد للعصف بطموحاتهم الشخصية في التمديد لأنفسهم عبر الانقلاب على الفصل 20. وكأننا بالتاريخ يريد من جديد إنصاف ديمقراطيّي المنظمة الذين يتصدون لنزوة البيروقراطية رغم اختلال موازين القوى. فما الذي حصل في 2010 وما وجه الشبه بما يحصل في 2020؟

رياح الثورة ثبّتت الفصل 10 !

كتبنا في الجزء الأول من هذه السلسلة ما يكفي لفهم محاولات الانقلاب على الفصل العاشر (10) قديما وما قدمته القوى الديمقراطية حينها من تضحيات والهجوم السافر من البيروقراطية على معارضات ومعارضي خط الانقلاب. لقد كانت موازين القوى مختلة لفائدة البيروقراطية المسنودة من سلطة أحرجها مبدأ التداول في المنظمة أيما إحراج. حينها لا أحد كان ينتظر تغييرا في موازين القوى إلى أن جاءت رياح الثورة وقلبت المعادلة جذريا فسقط مشروع الانقلاب ورحل الانقلابيون غير مأسوف عليهم وتأقلم داعمو الانقلاب مع الأوضاع الجديدة وقفز عدد من المعارضين السابقين للانقلاب إلى سدة المسؤولية فصفق عديد الديمقراطيين لذلك معتقدين في معدن هؤلاء.

“سكيزوفرينيا” !

ما جعل البعض يصفق لنجاحهم هو أن هؤلاء، أو بعضهم، كانوا في مؤتمر المنستير 2006 من الهائجين داخل القاعة بقفزهم فوق كراسيها وصراخهم وشعاراتهم ضد البيروقراطية ومن الداعمين للمحتجين خارج النزل ومن المطالبين بفتح بابه أمام المعارضة الديمقراطية التي كانت تتعرض لعنف البوليس. كل هذا كانوا يقومون به من خلال الأطراف السياسية التي كانوا محسوبين عليها عكس ما يدعونه اليوم من نقاوة كاذبة في مسيرتهم. لقد كانوا ممن يطلقون تسمية “السيستاني” على مهندس الانقلاب القديم فتحول عدد منهم إلى “سيستاني جديد” يطالب بنصب المشانق للمعارضين. هؤلاء هم “الديمقلابيون” الذين تحدثنا عنهم في الجزء الخامس والذين يقودون المرحلة الجديدة من الانقلاب.

هل تثبّت رياح “الكورونا” الفصل 20 ؟

الصراع بين الخط الانقلابي والخط الديمقراطي سيتواصل بقوة وسيشهد نسقا تصاعديا، وبعيدا عن موازين القوى لا أحد بإمكانه من الآن الجزم بحسم هذا الصراع لفائدة هذا أو ذاك لأسباب ثلاثة:
أولا، لما لاحظه الجميع من ارتباك وتشنج واهتزاز للمعنويات في الصف البيروقراطي،

ثانيا، لما للقوى الديمقراطية من وضوح رؤيا واستعداد للتضحية وثقة بالنفس وحجج قوية،

ثالثا، للهفوات الأخلاقية المدوية للخط البيروقراطي، وتحديدا لنواته الصلبة في المكتب التنفيذي، بعد التطورات الحاصلة في موضوع العدوى بفيروس كوفيد 19.

بعيدا عن القرار المغامر والكارثي بعقد المجلس الوطني في ظرف يتميز بعودة انتشار الوباء القاتل، تزداد القناعة بأن الانقلابيين أخفوا بعض الحقائق عن المشاركين في المجلس الوطني ولم يقدموها في وقتها بهدف الوصول إلى عملية التصويت التي ستشرع لهم الانقلاب على الفصل 20.

بداية، تجدر الإشارة إلى أن نقابي معمل بن عروس وصل النزل بإمكانية عالية جدا لحمل الفيروس لذلك تم تمكينه من غرفة فردية، وفق الرواية الرسمية، ثم في مرحلة لاحقة تم عزله دون إعلام أعضاء المجلس كما تم أخذ عينة للتحليل. وقد أجرى معه الصحافي بجريدة الشعب ط س حوارا قبل العزل. إن هذا السلوك يمثل خطأ أخلاقيا بالتستر على إصابة قد تكون انتقلت أو في طريقها إلى الانتقال إلى من هم في النزل وخارجه.

نتيجة التحليل كان يجب أن تصدر مساء الثلاثاء إلا أن رئاسة المجلس الوطني أعلنت على سلبية نتيجة التحليل صباح الأربعاء وأن التحليل سيعاد لأنه “ما تعملش بالباهي”. ما معنى أن تتم إعادة التحليل؟ وما معنى أن لا يجرى التحليل وفق المعمول به بعد التجربة المكتسبة؟ في تقديرنا، إما أن هناك خطأ فعلي في إجراء التحليل، وهذا أمر غريب حقا، والمطالبة بإعادته تؤكد أن الإصابة ثابتة قبل إجراء التحليل ولذلك تم تمكين المصاب من غرفة فردية منذ البداية وعزله منذ يوم الإثنين، وإما أن تكون النتيجة إيجابية من البداية وتم تعمد تقديم إعلام خاطئ في الصباح والهدف دائما هو الوصول إلى عملية التصويت. في كلتا الحالتين، هذا الاستهتار مرفوض.

خلال اليوم الأخير للمجلس الوطني بدأت المعلومة الخاصة بإيجابية التحليل تروج في الكواليس بداية من الساعة الواحدة بما يؤكد وجودها منذ الصباح، أو ربما منذ الليلة السابقة، وبداية خروجها على نطاق التكتم. ثم وصلت الدكتورة نصاف بن علية إلى مقر المجلس الوطني حوالي الثانية والنصف. لا يمكن لوصول الدكتورة أن يكون دون تنسيق مع قيادة الاتحاد، ولا يمكن أن يكون تحولها فجائيا بل مبرمجا مع لجنتها. ورغم كل هذه التطورات الخطيرة واصل الانقلابيون تكتمهم إلى حين إعطاء نتائج التصويت. النتيجة هي أن عديد المشاركين في المجلس الوطني غادروا النزل قبل ذلك بكثير عائدين إلى جهاتهم حاملين معهم احتمال خطر نقل العدوى لمن سيعترضهم ولأهاليهم وأحبتهم. إنها أنانية مقيتة تسبب فيها اللهث وراء الاستفادة الشخصية لمجموعة من الانقلابيين. فهل هذه هي أخلاقنا النقابية؟

تهور قاتل !

تقف هستيريا التمديد عبر الانقلاب وراء ما حصل إذ من سيصدق أن قيادة الاتحاد والمكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل ببن عروس على غير اطلاع بما حصل في مصنع بجهتهم؟ إن كارثة معمل بن عروس معروفة منذ يوم السبت إثر عملية المسح التي قامت بها فرق التقصي بعد اكتشاف إصابة مؤكدة لدى عاملة هناك. فكيف يقبلون باستقدام عضو من أجل صوت قد يسبب كارثة صحية لمئات من البشر؟

إننا أمام خط انقلابي مستعد للتضحية بالجميع في سبيل نهمه على تقلد المسؤولية. فهل ستساهم “الكورونا” في العصف بمخطط الانقلاب؟ لتستعد القوى النقابية الديمقراطية لكل الاحتمالات والتطورات.

تمنياتنا بالشفاء العاجل للمصابين الذين بلغ عددهم 30 نقابية ونقابيا.تمنياتنا بالسلامة لكل النقابيات والنقابيين ولكل المتواجدين بالنزل وبمحيطه ولكل المواكبين للمجلس الوطني من القوى النقابية الديمقراطية.

* عضو الجامعة العامة للتعليم الأساسي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here