لماذا ترك لطفي زيتون رفيق دربه راشد الغنوشي؟

بعد رحلة امتدت لعقود بين رئيس حركة “النهضة” راشد الغنوشي، ومستشاره السياسي لطفي زيتون، بدأت في المنفى، وتواصلت بعد الثورة التونسية، وصمدت في أصعب الفترات التي مرت بها الحركة طيلة السنوات الماضية، أعلن زيتون، الإثنين الماضي، استقالته من منصبه، من دون أن يستقيل من الحركة، ليطرح ذلك الكثير من التساؤلات حول أسباب هذه الاستقالة وتداعياتها على “النهضة”.

وجاءت استقالة زيتون بعد أربعة أيام من نشره موقفاً مطولاً على صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك” تناول فيه مسألة المحكمة الدستورية، ووضعه داخل حركة “النهضة” وموقفه من العديد من الملفات. وقال “تهرول مختلف الكتل البرلمانية لانتخاب المحكمة الدستورية على عجل، بعد الأحداث التي شهدتها البلاد والبرلمان، إثر الوعكة الصحية التي ألمت برئيس الجمهورية” في 27 يونيو/ حزيران الماضي، مضيفاً “منذ ثلاث سنوات وأنا أنبّه إلى خطورة غياب مؤسسة المحكمة الدستورية باعتبارها عمود خيمة النظام السياسي الذي انتجه دستوراً كان كاتبوه مهمومين بتحصيل أوسع ما يمكن من الأصوات، كما كانوا مهمومين بتفكيك سلطة نظام رئاسي أنتج ديكتاتورية طويلة، ولكنهم سقطوا في إنتاج نظام هجين قسم السلطة التنفيذية، وهمّش السلطة التشريعية وحرمها من الموارد، وصعّب إلى ما يقرب الاستحالة تكوين الهيئات المستقلة الضرورية لسير مرافق الدولة، وعلى رأسها المحكمة الدستورية”. وتابع: “قوبلت دعواتي المتكررة بانتخاب المحكمة والتخلّي عن الشروط الأيديولوجية المجحفة، بالرفض حيناً وبالاستهزاء أحياناً، ووصفت بسببها بالتغريد خارج السرب من بعض المتطرفين”.

وأكمل زيتون قائلاً: “صرحت قبل سنة أنّ إجراء الانتخابات في ظلّ غياب المحكمة الدستورية مدعاة للتشكيك في نزاهتها، فضلاً عن خطر حدوث شغور في أعلى هرم السلطة، بحيث تجد البلاد نفسها بسبب غياب هذه المحكمة في ضياع وفراغ دستوريين، وهذا ما حصل يوم الخميس الماضي، في مشهد برلماني يمثّل وصمة عار في جبين الانتقال الديموقراطي والنموذج التونسي: رئيس مسجى في وضع صحي حرج، ونخب حزبية تحاول استباق ملك الموت والالتفاف على الدستور للقفز على السلطة في أعلى هرمها. ولولا أن حفت الألطاف الخفية ببلادنا ووقفت مؤسسات الدولة العتيدة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي أشرفت على علاج وحماية رأس الدولة، برئاسة رجل دولة متجرد من الانتماءات، صديق للجميع (وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي) أثبت مرة أخرى تجرده ووطنيته ورصانته”.

ربما يوضح هذا المنشور الأسباب الحقيقية التي دفعت زيتون إلى الاستقالة، إذ أشار فيه إلى أنّ بعض النهضويين (الذين يصفهم بالمتطرفين) يعتبرونه مغرداً خارج السرب، ويقابلون مواقفه بالرفض والاستهزاء. لكنّ الواقع يشير بالفعل إلى أنّ زيتون يغرّد خارج السرب، وتدل على ذلك مواقفه من ملفات عديدة، منها التوافق بين “النهضة” والرئيس الباجي قائد السبسي، والمساواة بين الجنسين، والحريات، والتعامل مع ماضي ما قبل الثورة بما فيه رجالاته، وتعامل الحركة ككل مع الدولة وتطور العلاقة من معارضة في السر إلى تطبيع، ثمّ تصالح ومشاركة في إدارتها، وغيرها من الملفات الكثيرة التي لا يخشى الخوض فيها وإعلان مواقفه غير المتناغمة في كثير من الأحيان مع الموقف النهضوي السائد.

وهو ما دفع منافسيه أو خصومه إلى اعتباره مغرداً خارج السرب، وهي صفة لا تعتبر تهمة ولا تحمل بالضرورة نعتاً سلبياً، على غير ما أراده المنتقدون، لأنها أكسبته في المقابل قبولاً في دوائر عديدة من خارج “النهضة”، بل إنّ البعض اعتبر ذلك، لغرابته أحياناً، مجرّد تكتيك نهضوي وتوزيع أدوار لا غير.

ويُعتبر زيتون ومعه جزء من شباب “النهضة”، وبعض قياداتها أيضاً، من المدافعين عن تطوير الحركة، وأهم قوى مؤتمرها العاشر الذي فصل بين العمل الدعوي والآخر السياسي. ولم يكتف زيتون بذلك، بل دعا أكثر من مرة إلى التسريع في العبور إلى المرحلة الجديدة ودخول الحركة إلى معترك الحوار الاجتماعي والاقتصادي بدل النقاش الأيديولوجي. كما انتقد بطء القطع نهائياً مع العمل الدعوي، ما جلب إليه الكثير من الانتقادات داخل “النهضة”.

وبحسب مطلعين على كواليس الحركة، تحدثوا فإنّ الخلاف بين الغنوشي ومستشاره ليس خلافاً فكرياً عميقاً، لأنّ الغنوشي يتقاسم مع زيتون الكثير من الرؤى في هذا الشأن، ولكن يبدو أنه خلاف سياسي بالأساس بدأ مع تراجع خيار التوافق مع السبسي ثمّ الشراكة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وما تراكم مع ذلك من ملفات عديدة أخرى من بينها إدارة المرحلة الجديدة، خصوصاً خلال الأشهر الماضية، وما لحقها من ملفات مهمة مثل الانتخابات.

ويؤكد هؤلاء أنّ زيتون بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن الدوائر المقربة من الغنوشي خلال هذه الأشهر، أو تم إبعاده تدريجياً، لتحلّ محله أسماء جديدة ربما يكون ينصت لها “الشيخ” أكثر. وهو ما دفع زيتون إلى خوض الانتخابات الداخلية التمهيدية لدخول قائمة الحركة للانتخابات التشريعية، وقد جاء رابعاً على دائرة تونس واحد، محرزاً عدداً مهماً من الأصوات (فاق السبعين على مئتين تقريباً)، ما يجعل من رؤيته محترمة في أوساط النهضويين، وليست أقلية كما يصورها البعض.

ولكن هذا الترشّح أشار بما لا يدع مجالاً للشك إلى بداية قلق واضح لرفيق درب الغنوشي وناصحه الأمين، وبداية بحثه عن وضع جديد داخل الحركة، يبدو أنه لم يتحقق. وهو ما دفعه أولاً إلى الاستقالة من منصب المستشار السياسي، وربما تكون الخطوة التالية مغادرة الحركة نهائياً، في انتظار أن يتحدّد موقف رئيسها من هذه الاستقالة، إذ لم يصدر عنه موقف بخصوصها إلى الآن.

ويتساءل مراقبون حول ما إذا كان الغنوشي سيقبل هذه الاستقالة، وبالتالي ابتعاد أحد أهم الوجوه التنويرية والحداثية في حركته، والتسبب بغضب المدافعين عن زيتون والمؤمنين بأفكاره، لا سيما كونه أحد القيادات التي لا تبحث عن منصب وزاري أو مسؤولية حكومية، بدليل استقالته من الوزارة إبان حكم الترويكا، أو أن رئيس حركة “النهضة” سيعتبر هذه الاستقالة أمراً طبيعياً في هذه المرحلة، بحكم السجالات العديدة داخل الحركة التي يعتبرها كثيرون ظاهرة صحية تعكس مرحلة الانتقال التي تعيشها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here