الطائر والحرية

6

بقلم : الطاهر العبيدي

في “باريس”هذه المدينة المتحركة جدا والمستيقظة ليلا نهارا، وفي هذا الزحام الإعلامي والثقافي الذي لا يهدأ، استدعيت للتغطية الإعلامية لإحدى الندوات الحقوقية حول تدهور أحوال بعض الشعوب ” المعطوبة ” حتى صمتها، والتي آمنت خطأ أو اقتناعا بأن تحمّل الذل هو بلاء من تقدير ربّ العالمين… وتداولت على المنصّة العديد من الشخصيات والوجوه المعروفة والمهتمّة بمثل هذه القضايا بحضور وسائل الإعلام المتنوعة والمتعددة…

وجاء دور أحد المحاضرين الذي سبق لي أن عرفته عن قرب، مدجّجا بالنرجسية وتضخم الذات وحب الظهور… بدأ صاحبنا ( الدكتور ) كعادته ينشر الكلام الإنساني الحنون، ويكدّس الألفاظ الطليقة، ويظهر في شكل قدّيس عابد للحرية، زاهدا في الدنيا متشبثا بأسمى معاني إنسانية الإنسان في الحرية والكرامة والعدل.

وبينما صاحبنا يخطب ويمضغ لسانه، عادت بي الذاكرة إلى عهود الصبا الشقية والمشاكسة حين كنت طفلا صغيرا مولعا بصيد العصافير المحلقة في الفضاء…تذكرت ذاك اليوم الذي اصطدت فيه عصفورا جميلا كانت فرحتي كبيرة بهذا الانتصار، وكانت فاجعة ألمحها في عيون الأطفال الذين لم يحالفهم الحظ في اقتناص ” ريشة ” لاحظت ذلك في تهنئتهم لي التي كانت مزيجا من الفرحة المبتورة والحسد المفضوح…عدت إلى المنزل والعصفور في يدي ونشوة الانتصار تفوق نشوة القبض على الحلم المستحيل…

وصلت إلى حينا وصول الفاتحين الغانمين، ومثل كل الأحياء الشعبية التي يولد فيها الترابط والدفء والألفة والتآخي وحسن الجوار، كانت بعض نسوة حيّنا إلى جانب أحد المنازل يطهين الخبز في فرن جماعي، ويتسامرن نهارا دون نسيان التعليق على المارة والنبش همسا في خصوصياتهم…

عندها اعترضني أحد أبناء الجيران، كان تلميذا بالمرحلة الثانوية.. وكان شديد الإعجاب بنفسه، فهو يعتبر نفسه مثقف الحي، خصوصا وهو القارئ والكاتب لرسائل بعض الجيران، سألني في صوت عال كي تسمعه النسوة ماذا ستفعل بهذا العصفور المسكين؟ فأجبت بتلقائية الأطفال سأذبحه وأشويه، فصعق وبدأ يحدثني عن قيمة الحرية وكل فضاعات السجن والاعتقال…وانهال علىّ بخطبة عذراء عصماء فيحاء، يحدثني فيها عن بشاعة الأسر والقيود والرحمة، ويدعوني إلى إطلاقه فورا وكان محدثي يختار الألفاظ والعبارات المؤثرة مستشهدا ببعض أبيات الشابي:

خلقت طليقا كطيف النسيم
وحرّا كنور الضحى في سماه
تغرّد كالطير أين اندفعت
وتشدو بما شاء وحي الإله

وقد كان مخاطبي يحدّثني وهو في الحقيقة يحدّث النسوة كي يظهر أمامهن بمظهر العارف الواعي الحنون على مخلوقات الله، وقد استطاع أن يؤلب عليّ النسوة، لاحظت ذلك في إيمائهن برؤوسهن، وتواطؤهن بعيونهن، ونظرات الإعجاب بنبي الحرية وفارس الثقافة…

وهنا وبعد إحساسه بنشوة الانتصار أعاد عليّ السؤال؟ ماذا ستفعل بهذا العصفور المسكين الذي لا يحلو له العيش إلا أن يكون طليقا في الفضاء، ورغم ضعف موقفي وإحراجي أدركت النية الحقيقية لصاحبنا الحنون، فقلت: بجرأة الأطفال وتحدّي الصبية سأذبحه وأشويه، فاقترب مني وبصوت خافت جدا كي لا تسمعه النسوة قال لي: أرجوك إذا شويته فاترك لي نصيبي ” الجناحين ” فكم أعشق جناح العصفور مشويّا…

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here