الصافي سعيد: المثقّف المغترب في صحراء البرلمان التونسي

3

بقلم : أيمن عبيد (*)

ليست المرة الاولى التي يشغل فيها المفكر والبرلماني التونسي الصافي سعيد، صفحات التواصل الاجتماعي واروقة الفايسبوك، ولن تكون المرّة الأخيرة التي تضيع فيها المعاني وتتلاشى فيها كل التعابير، في خضم صخب “الهوليغانز” السياسي، من أولئك الذين لا مدخل لهم لفهم اي معطى كان، الا من بوابة العاطفة المنفعلة او من قوس الغريزة الانتهازية، فإنحصر تعاطيهم كعادته بين ثنائية الشيطنة والتمجيد، اللّتان لازالتا تكبّلان الوعي الجمعي التونسي في أغلال الغلوّ، وتمنعانه من أي تشكّل سليم، فما الفاعلون في الشأن العام بأنبياء ولا هم بشياطين، كما عنون الصافي كتاب “الحمى 42”.

غير ان بعض المشاهد كما كان يردد المرحوم حسنين هيكل مرارا، اذا نجحنا في تفكيك طلاسمها، فإنها لن تفسّر لنا تفاصيل لحظة التقاطها فحسب، انما قد تبوح لنا بمكنونات مرحلة بحالها او ظاهرة بعينها.

ولعل مقطع الفيديو ذاك، الذي لم يتجاوز ال15 ثانية، كان من تلك الطينة التي ذكرنا، اذ كان بين حناياه محمّلا بمتناقضات عجيبة تعبّر عن مجاز عميق. فقد ظهر لنا الكاتب الكبير لوهلة وكأنّه يصارع قلمه ويغالبه ثم ينتهي بأن يُلجمه ويسكته، وهو خليله الذي ناجز به الحياة واختط به مجده، فشكّل به مصائرا وهدّم به أخرى. لابد انه لم يكن من الهيّن على محارب ان يغمد سيفه، ولا كان من اليسير على كاتب ان يُلجِم قلمه، الا أن الوضع كان استثنائيا.

فلو وضعنا هذا المشهد في سياق انه التقط خلال الجلسة الختامية لدورته البرلمانيّة الاولى، لوجدناه ابلغ التعابير وادقّها، بل وأجدر الصور بأن تكون غلافا، لرواية: “سنة أولى ممارسة سياسية للمثقّف التونسي”

فلا بد أن التجربة الديموقراطية التونسية، في حاجة ماسة لما يشابه “المثقّف العضوي” لدى “أنتونيو غارمشي”، او نسخة وطنية مقتبسة من “المثقف العمومي” لدى “ماكس فيبر”. ولا بد ان طليعة من المثقفين التونسيين، قد شرعت فعلا في اقتحام فضاءات العمل السياسي المباشر، من أمثال جوهر المباركي والحبيب بوعجيلة وعلى رأسهم الصافي سعيد.

غير أن هذا الانتقال من ترف التنظير والتحليل ومساحات التجريد عموما، الى ساحة الاشتباك السياسي من المسافة صفر، مسار شاق ومخاض ومعاناة، حوصلها مشهدنا المذكور في نقطتين اثنتين:

1-المثقّف المُبتعد:

بداية، دلالة ما عوّدنا به الصافي واعتاده، من التنائي بنفسه الى طرف المجلس، وكأنه نخلة الرّصافة في زهراء قرطبة، فيحيلنا ذلك على حالة الغربة والاغتراب التي يعيش، وتلك صورة اعتبارية تعكس الموضع الحالي للفكر والمثقفين في ساحتنا السياسية القاحلة، الخالية من أيّة مضامين او رؤى، والغارقة في البراغماتيات اللحظية، المنجرفة وراء المجاراة والمعالجات السريعة، بما يجعل كل ما يحمله المثقّف من زاد معرفيّ يفقد قيمته، بل ولعله يتحول الى حمل وزِينٍ يُثقل صاحبه ويكبّله، فيجعل منه آخر المتخلفين في مضمار المائة “تكانبينة” حواجز، حيث لا وقت للتوقف عند الأحداث والتمعّن في سياقاتها، ولا حاجة لعرضها على نماذج تفسيرية لفهم مآلاتها، وانما الشطارة كل الشطارة، في الأقدر على التنصّل من الوعود والانقلاب على العهود، والتملّق والتصنّع.

كما ان حرصه الدائم على الانتصاب في اعلى نقطة في المجلس، ربما يعكس كبرياء واستعفاف المثقفين من الخوض مع الخائضين، ولكنه قد يجد كذلك ما يفسّره في الفضول المعرفي لدى الكتّاب، الذين يحرصون على الفهم والاستنباط من خلال مراقبتهم لكل تفاصيل المشهد، اكثر من حرصهم على المشاركة في صناعته او اعادة تشكيله، فهم جنس فريدٌ من البشر يبحثون في كل حدث او صورة، عن مصدر الهام لقصة او رواية جديدة، تحرر صراعهم النقديّ مع الواقع من ضيق اللحظة التي قد ينهزمون فيها، وتدفع بمعاركهم الى قاضي التاريخ حتى يثأر لهم ويخلّد نصرهم.

2-المثقّف المُبعد:

وأما الملاحظة الثانية، فظهوره وهو يتصبّب ارتباكا وتردّدا وكأنه مطارد مراقب -وقد كان من صوّره فعلا يراقبه- وذلك في اتصال بالنقطة الاولى من تجليات الاغتراب الذي يعيشه المثقفون لا ريب، ولكن ايضا محاكاة لما يلحقهم من استهداف. فعلاوة على عرضتهم الدائمة لمحاولة الترويض والتطويع، كأبواق تسويغ وتبرير، لواقع لا يساهمون في صياغته ولا قول لهم في تشكيل ملامحه.

فإن الخطاب النخبوي في حد ذاته مستهدف بحملات ترذيل عاتية ، فتلك سمة أساسية لعصر الشعبوية، حيث تقوم اطروحتها الاساسية على على تملّق الجماهير من ناحية، وتتفيه النخب من ناحية اخرى بل وتخوينهم، بترويج سموم، من قبيل:

“اتركك منهم فهذا كلام معقد، تنظير وتفلسيف زائد.”

وكأن الفلسفة مسبّةٌ وليست ام العلوم، او كأنّها علم لا علاقة له بالسياسة من قريب او بعيد، في حين انها لدى ارباب الديقراطية الاغريقية، توأم ملازم للسياسة، فما السياسة عندهم الا الترجمة العملية للحكمة، في حين ان الفلسفة هي الحكمة النظرية.

ان اصحاب الكلمة والقلم، مخيرون اما بالخضوع لمراكز القوى والحاكمين، او مجارات الرأي العام وتملّق المحكومين، او ان يبقوا فعلا مثقفين، فالمثقف هو:

من يسعى الى فهم المشهد بإعتماد قواعد عقلانية تراعي السنن الكونية، ولا ينسج قراءاته اتباعا لتقلبات المزاج العام واهوائه من جهة، وذلك ما يمكن تسميته بالمسؤولية الأكاديمية للمثقّف.

واما المسؤولية الاخلاقية، فتحتّم عليه اعتماد قيم الديموقراطية وأسسها كمحدد لمواقفه، لا التماهي مع مراكز القوى او مخالفتها.

ولذلك فان غياب المثقفين، من خلال ابعادهم او ابتعادهم، تعرية للساحة العامة وتعميق لتصحّر الثقافة السياسية فيها، وذلك ما يغذّي قابليتها للانجراف الشعبوي الذي يكاد ان يقوّض البناء الديموقراطي من أساسه.

ولهذا فإنني لم اكن هنا بصدد تقييم تجربة الصافي سعيد بقدر ما أنا بصدد تثمين خوضه لها، فماهو الا بفاتح ثغرة صغيرة في كثبان البداوة السياسية، لعلّ الزمان يوسّعها، وانا على يقين بأن الأجيال الجديدة من المثقفين ومن اختاروا الفكر والكتابة كمدخل للشأن العام وهم كثر ومن مشارب متعدّدة، يرقبون هذه التجربة وغيرها، بعين من كان في حاجة الى مثل ونماذج عمليّة، يستنيرون بخطاها، اما تأصيلها النظري، فإني أكاد أجزم بأن الصافي سيقدّم للتجربة التونسية اسهاما يليق به فيه، ولكن ذلك لن يكون حتى يتصالح الصافي مع قلمه الذي ألجمه، ولن تكون هذه المصالحة حتى يجد لنفسه مخرجا مشرّفا من ضوضاء السياسة واضوائها، يؤمّن له انسحابا آمنا من صحرائها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here