مجزرة للفكر على ركح أيام قرطاج المسرحية

بقلم: شكري بن عيسى (*)

كل الفعاليات السياسية والادارية التي تدعي وصلا بالثقافة هي في عمقها مواربة مغالطة مزيفة لعمق غاياتها وحقيقة اهدافها. والدليل أن الثقافة يوما بعد يوم تزداد غرقا في المستقنع الاسن بروائحه السمجة الكريهة وطينته الملطّخة العفنة. ولا حرج من هذه التوصيفات التي هي عين واقعنا الذي يخرج في كل مرة احد “المنتظرين” من “المهديين” ليقول لنا ان الانقاذ سيكون على يديه، وان عصاه ستشق لنا البحر نحو رحاب السعادة وروعة الفن.

بن علي ايام الاستبداد المزدوج (المادي والرمزي) اعتمد على عديد النخب المتعفنة، التي كان عمقها سلطويا دنسا، ولم تكن الواجهة سوى للمغالطة والتضليل، فانساقت بسرعة نحو حضن “الليفياتان” لتجعل منه ذلك الفهد الجميل خلاب المظهر ناعم الملمس، والعدد لم يكن هينا فقد كان بالمئات، ومهمة تزويق البشاعة وتليين الخشونة وتنعيم الفظاظة ليس امرا هينا وكان يستوجب الالاف وبالحد الادنى المئات من ذوي “الاحترافية” العالية، ولا شك ان بقية لم “تنعم” بالمجد الذي وفره المخلوع، وقد يكون الامر من باب عدم حصول المناسبة لا غير.

هذه الايام زمن الاستبداد الناعم الرمزي، ظهرت البقية التي تم استثناؤها، واليوم بالذات خرج علينا من قلب المشهد وحشان ما فتئا في تسويق نفسيهما على انهما عالم من الرقة والعذوبة وحتى الجمال والروعة بجلالها وعظمتها، هو عبد الحليم المسعودي وآمال قرامي، في ندوة على هامش أيام قرطاج المسرحية، والمسرحية هذه المرة لم تتطلب لا سيناريو ولا اخراج ولا توظيب ولا مؤثرات، فاللوحة انفجرت في وجوهنا ولم تستأذن حتى ارادتنا او رغبتنا، وكنا ملزمين على مشاهدتها بل الوقوع تحت ضرباتها وركلاتها ورجاتها ولطماتها رغما عنا.

المسعودي كنت كتبت فيه ذات مرة مقالة على جمهورية “ثقافة الكدر”، بعد برنامجه الاول الذي يدعي التنوير ولكنه بعين واحدة والاخرى مطموزة، اذكر انني لاحظت له ان التنوير في جوهره عقلانية وتعدد وتنوع خلاف برنامجه وحيد العين، فاهتز هزة واحدة رادا انه من لا يعجبه الامر ليبحث عن واجهة اخرى او بالاحرى افق اخر، ونسي انه يستغل بفحش اموالنا نحن دافعي الضرائب ليلعب لوحات تهريجية بائسة يخال فيها نفسه انه دونجيون عصره ومصره، ولا غرابة فشرح المتون على الجهة اليسرى صارت هوامشه اوسع من اليمنى.

اليوم المهرجانات والفعاليات الفكرية والثقافية كلها تعبيرات عن لعبة السلطة، بل هي في قلب بركان السلطة، مهرجان قرطاج المسرحي في اساسه مخالف للقانون، فهو هيكل كما جنيسه السينمائي بلا اطار قانوني، ويتخذ هذا الشكل للانحراف بالقوانين وخاصة اجراءات الصفقات العامة التي تكون خارج مناط الرقابة، ليكون الفساد حقلا خصبا، مزدوج النبات، فساد مالي وفساد اخر معنوي في شكل محسوبية يستدعي اليات الزابونية ونظرية العلاقات العامة.

ولذلك كانت جلسة اليوم المعنونة تحت يافطة الثقافة فاضحة لمن يرفعون شعار الثقافة زورا وتدليسا، فانكشفت العورات وتعرت تماما الى حد ان تلك الصورة لمن تعرى على خشبة المسرح صارت بلا اهتمام، فالمسعودي وشريكته بالتواطؤ القرامي لم يهمهم سوى تسجيل القيام بفاعلية ثقافية، ولا يهم المحتوى والقيمة والمعنى، فالمعنى الحقيقي هو ممارسة الزيف والتدليس ما دام السحر فعالا، ولم تهمهم بما يلزم تلك المضامين الخلابة لاستاذتنا العزيزة ام الزين بن شيخة المتخصصة في الجماليات وفلسفة الفن، والامر لم يقف حد المقاطعة غير المفهومة.

فالقرامي التي ترأس الجلسة وفي ظل الحضور “الكومبارس” وفق رؤيتها ورؤية منظم الجلسة عميد ثقافة “التكدير” المسعودي لم يخصصوا للنقاش سوى خمس دقائق مع الزام المتدخلين بعدم تجاوز حدود السؤال، والاهانة كانت فظيعة الحقيقة للثقافة وللمحاضرين وللمشاركين من الجمهور الذين جاؤوا من اجل المساهمة والتفاعل النقاش والتحليل، فوجدوا افسهم في قسم بوليس لا ينقصه سوى العنوان، والازياء الزرقاء ولو ان الماتراك في لساني المسعودي والقرامي كانت اكثر ايذاء، والامر تجاوز مجرد المهزلة من شدة الاهانة فاحد الحضور انفجر في وجههم صياحا وعياطا ولم يسكت، لينهي عميد “التكدير” لوحته، فقد سجل الصور وننتظر من الغد عنوانا مثل اليوم على طريقة “المسرح يعانق سماء الابداع”، وبقية العناوين التي لا يمكن ان تغيب عن خيالكم..

رأسمالية المحاسيب le capitalisme de connivence تعتمد منطق الزابونية في المجال الاقتصادي والسياسي والاداري والمالي، وعبرها يكون الالتحام بين هذه القطاعات لتتجذر شبكة سلطة نافذة يصعب مع الوقت كسر طوقها واختراقها فتصبح تلك القلعة الحصينة التي تعمّر، حتى يقوم زالزالا بعد قرون عديدة ليرجها ويسقطها، ولكن ما غاب عن منظري هذه النظرية وحتى النظريات المتقاربة معها من theorie de capture وtheorie des choix publics هو دخول المجال الثقافي بالعمق الحاضر هذا اليوم، فلم نكن او بالاحرى لم يكن المنظرين يعلمون ان الريع la rente في الثقافة اعلى واكبر، فترؤس المهرجانات والفعاليات الثقافية، يعطي المال ويعطي الدعاية ويربط شبكة زابونية، ولكن الاهم هو استغلال المال العام للظهور بمظهر المثقف النوعي والعضوي والعميق والصلب والجذري وكل الصفات الاخرى، فلم يعنيه سوى الفعالية حتى لو كانت بدماء الفكر وصلب الثقافة على رأسها اقامة مجزرة على ركحها.

واذ نطلب الغوث فلن يغيثنا سوى صديقنا فيلسوف كشف الزيف عالي السرعة او “الاكسبراس” علي حرب، فيسعفنا بمدونته عن ديناصورات النخب الجوفاء، التي تمارس الوصاية على القيم والمبادىء، باسم الحقيقة والحرية والحداثة والتقدم، وهي متقوقعة في مفاهيم الحداثة التي مرت عليها قرون، ولازالت غارقة في اوهامها مثلما وصّفها في كتابه “أوهام النخب”، بعد أن عرّاها تماما في كتابه الاخير “الثورات الناعمة” باسناده الجدارة للشباب الذين “لم يحسب لهم حسابا فأحدثوا التغيير” الذي عجز عنه من ينصبون انفسهم أوصياء الحقيقة، وما يمكن اضافته هو تحولهم الى مجال الشعوذة والميثولوجيا وكل اشكال التضليل المهم ان يحصدوا من ثمار السلطة بشقيها المادي والرمزي!!

(*) قانوني وناشط حقوقي

مشاركة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here