تونس والانتخابات.. سباق مشوق حتى القلق

أيام قليلة وينطلق السباق الانتخابي في تونس مشوّقا ومربكا. ما أن يقترب الناس من الانتخابات، التشريعية أو الرئاسية، ويدخل المتنافسون الأمتار الحاسمة للمنعطف الأخير، حتى يفقدوا ما كان يسكنهم من يقين.

عادة ما تكون مصادر اليقين التي يلوذ إليها المتنافسون متعدّدة، من قبيل نتائج سبر الآراء، الأداء الجيد في أثناء الحكم، المعارضة المثمرة، الخبرة والكفاءة، الخطاب ومهارات الإقناع.. إلخ.

على الرغم من كل هذه الضمانات والرساميل الحقيقية، أو الوهمية، تبدّد الأمتار الأخيرة كل ذلك اليقين، وتدفع الجميع إلى جحيم القلق ورعب السيناريوهات الخائبة. نوبات الرعب والقلق تلك تنتاب الجميع.

هذه إحدى أفضل خصال الديمقراطية. تفتح السباق للجميع من دون إقصاء. يتسلّل الناس من منافذ واسعة لذلك المضمار. على خلاف الاستبداد الذي يضيق على الناس مسالك النفاذ إلى تلك السباقات، بما يفرضه من قوانين جائرة، تزيّن شروطا مجحفة أو إقصائية.

يدخل هؤلاء، وهم في الأصل مختلفو البرامج والتوجهات والعقائد والأذواق والفكر. ومع ذلك، يصطفون “كأسنان المشط” أمام صندوق الاقتراع. الناخب هو سيد اللعبة وحكمها. سيحدّد باختياراته الفائزين والخاسرين، بما صوت تعبيرا عن إرادته الحرّة.

لا أحد من المتنافسين يستطيع أن يدّعي، مهما كانت وجاهته وشعبيته، أن الناخب ملكه مهما سلط عليه من ضغط وإغراء وإقناع، ففي الأنظمة الديمقراطية، حتى ولو تحكم المال والإعلام في كل شيء، واجتاح السياسة، يظل الناخب متمنّعا إلى آخر لحظة، وغير مضمون. يدخل الخلوة، وفي دقائق، يستسلم لضميره وقناعته، ويصوّت حسب سريرته. يفعل ذلك وهو متأكد أن لا أحد يعرف لمن صوّت، وأن صوته يظل تعبيرا عن إرادته، حتى ولو باعها.

يخرج من دون خشية أن يكون موضوع تتبع ومضايقة، لو صوّت لأي مترشح آخر، حتى لو كان مناهضا ومعارضا لسلطةٍ تفرض الديمقراطية أن تكون محل تقييم دوري، من خلال شعائر الانتخاب ذاته.

تقدّم ما يناهز مائة مترشح للانتخابات الرئاسية، يحلم كل منهم باعتلاء “عرش قرطاج العظيمة”. لا يخلو كرسي رئاسة الجمهورية في أي نظام ديمقراطي، حتى ولو حدّدت الدساتير سلطات الرئيس وجعلتها شرفية ورمزية.

لذا يحلم بعض من هؤلاء أحلاما كبيرة، تعيد الرخاء. ولكن لا أحد ينكر أن لبعض منهم أيضا أحلاما خاصة، تكبر أو تصغر، لتتجاوز تلك “الأحلام الوطنية”. ولكن ها هي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لا تحتفظ إلا بـ26 مترشحا فقط استطاعوا أن يستوفوا الشروط التي حدّدها القانون الانتخابي.

غربلت الهيئة ملفات المترشحين الذين لم يستوفوا الشروط، فاسحة المجال للمتنافسين للتظلم أمام القضاء، والطعن في القرار، كما ينص القانون، وذلك ما يعزّز استقلالية الهيئة، ويجعلها على مسافةٍ من جميع الفرقاء.

خارج تلك التصريحات المطمئنة التي يعبر عنها المترشحون المتبقون، وهي مزيج من حرفية فائقة، وتصنع مطلوب، لا أحد يملك اليقين، حين يخلو إلى “شياطينه الانتخابية”. يسّر جميعهم لدى أوساطهم المقرّبة أنهم قلقون، ولا يملكون اليقين.

تتسع مناطق اللايقين لديهم، فيعمدون، وهم يخلون إلى أوساطهم الضيقة تلك، إلى اتهام المال السياسي والإعلام و”غباء بعض الناخبين” والدولة العميقة.. إلخ. لا أحد من المتنافسين يعود إلى خصاله وكفاءته وثقافته وحزبه ليسائل إمكاناته الحقيقية، وقدرته على إقناع جموع الناخبين.

على خلاف انتخابات 2014 التي جرت تحت عناوين الخوف والرغبة في معاقبة “الترويكا”، وما تطلبته تلك المنافسة من تهييج المشاعر واللعب بها إلى حدود التحريض على الكراهية، فإن الانتخابات المرتقبة لا عنوان مركزيا لها، ولا لافتات كبرى تحتويها.

استطاعت “النخب الحداثية” القادمة من خلفيات متعدّدة (دستورية، يسارية، لائكية، قومية.. إلخ)، خلال الانتخابات الفارطة، أن تتهم حركة النهضة بتهديد “نمط المجتمع التونسي”، أقنعت أوساطا عديدة من الناخبين بذلك. ولكن يبدو أن إعادة إنتاج تلك “الفزّاعات” هذه المرة غير ممكن، ولن يكون مثمرا على نحو ما كان عليه سابقا. تلاشت السرديات الكبرى هذه المرّة. ولم يحدث ذلك الانقسام المريع الذي شجّ المجتمع إلى شطرين كبيرين.

هذا واحدٌ من عوامل الإرباك الذي يبدّد اليقين، لأنه لا عدو ضعيفا ينبئ بإمكانية هزمه هزيمة ساحقة. كل المتنافسين ضعفاء. الإسلاميون واليساريون و”الدستوريون” يدخلون الانتخابات، وقد أكلتهم الخلافات وتسرّب الريب والشكوك في بعضهم بعضا.

“النهضة” التي ظلت تقدّم صورة القلعة الحصينة لم تنج من خلافاتٍ حادّة بدا ترشيح نائب رئيسها، عبد الفتاح مورو، قربانا لتهدئة المناخات الخانقة داخلها. حرّاس المعبد الدستوري القديم ذهبت ريحهم بعد رحيل الرئيس الباجي السبسي. الجبهة الشعبية، وقد غدت جبهتين أو أكثر، أحلّت نهش لحم رفاق الأمس لقمة سائغة. ثمّة تفاصيل صغيرة وفروق بسيطة، ولكنها ليست محدّدة، وذلك ما يجعل المفاجآت واردة، خصوصا في الانتخابات الرئاسية.

من تبقوا من المتنافسين، بين هواة ومحترفين ومنتحلي صفة ومغامرين، يعلمون أن لهم خصوما، وأن لهم عيوبا تضاهي خصالهم أو تفوقها. لذا الكل يكتم الأنفاس تواضعا وخوفا في انتظار اللحظة الحاسمة، وصفارة الحكم. الديمقراطية بازار سياسي واسع للعرض، وسوق كبير للآمال والطموحات، لكنها أيضا غابةٌ من القلق والتشويق والخيبات الممكنة والهزائم المدوية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here