هجرات وحروب في لوكارنو السينمائي

تُشارك 5 أفلام عربية في مسابقات وبرامج مختلفة، في الدورة الـ 72 لـ”مهرجان لوكارنو السينمائي”، المُقامة بين 7 و17 أغسطس/ آب 2019. فالمسابقة الدولية، التي تضمّ برنامجًا بعنوان “فهود الغد” (الفهد شعار المهرجان، وجوائزه تحمل اسمه)، تضمّ فيلمين تونسيين هما “أهل الكهف” لفخري الغزال و”كلّ شيء يأتي من الغبار” ليونس بن سليمان، وفيلمًا لبنانيًا سوريًا بعنوان “دُوما تحت الأرض” لتيم السيوفي. في المقابل، هناك فيلم واحد مُشارك في المسابقة الدولية، “في الثورة” لمايا خوري، بينما يعرض السويسري ذو الأصل العراقي سمير جمال الدين فيلمه الجديد “بغداد في ظلّي” خارج المسابقة.

يعاين “أهل الكهف” (2019، بالأسود والأبيض) ـ الروائي القصير (18 دقيقة)، المُصوّر بكاميرا “سوبر 8″، والمدعوم من “مؤسّسة روزا لوكسمبورغ ـ تونس”، ضمن مشروع “10 وجهات نظر عن الهجرة” ـ أحوال الهجرة التونسية العربية إلى بلاد القارة الأوروبية، من خلال 3 أشخاص، اثنان من مغنّي الـ”راب”، والمخرج، ينتقلون من مدينة “الرديف” (جنوب غرب تونس) إلى “نانت” في غرب فرنسا: “هناك تركيز على التذكّر والشوق لدى هؤلاء الأشخاص”، كما في التعريف الرسمي للفيلم، الذي وصفته المبرمجة شارلوت كورشيت بأنّه “موسيقيّ ورقيق وناعم وحميم”، يقتفي اثر شباب تونسيين في هجراتهم الأوروبية. ففي هذا “الكوكب الكئيب وغير الواقعي تقريبًا”، كما تضيف كورشيت، “تمرّ مشاعر المسافرين من الوحدة إلى الصداقة”، مشيرة إلى أنّ عمل الغزال يحتوي على “لمحة عن الجمال للتغلّب على الصعاب”.

أما “كل شيء يأتي من الغبار” (2018، بالألوان، من دون حوار)، وهو روائي قصير أيضًا (9 دقائق)، فيغوص في تلاعب الإنسان بالطبيعة، عبر اشتغالات بصرية تتراوح بين الفنّ التشكيلي وفنّ العمارة والتصوير الفوتوغرافي والسينما. وبحسب المبرمجة ليز هاركمان، فإنّ “كلّ شيء يأتي من الغبار” يستخدم “تأطيرًا حميمًا لتقديم صورة مهيبة عن جمال بلد”. علمًا أنّ بن سليمان يُحدّد فيلمه بنص شعريّ: “حلقةُ تحوّلٍ من دون ممر. كنتَ إدانته، كان تفتّح أزهاره. كنتَ قبره، وكان مهده. كنتَ حزنه، وكان قماشته. في الجحيم كما في السماوات، كانت الكلمات مبهمة”.

بالإضافة إليهما، هناك فيلمان يتوغّلان في أحوال سورية وحروبها القاتلة: “دُوما تحت الأرض” (2018، بالألوان)، وهو أول روائي قصير (11 دقيقة) لتيم السيوفي، و”في الثورة” (إنتاج مشترك بين سورية والسويد، 2018، بالألوان) لمايا خوري.

الأول يستعين بـ”فنّ الفيديو” والسينما الوثائقية، كي يُصوّر تفاصيل إنسانية تكشف أن التضامن والحياة الاجتماعية والإيمان مسائل تُساعد الناس على مواجهة أكثر الحالات رعبًا وإهانة للبشرية. يقول السيوفي: “بسبب تساقط البراميل المتفجّرة على الغوطة، بحث المدنيون على ملاجئ لهم في أقبية منازلهم. كنتُ واحدًا منهم. مُمسكًا الكاميرا الخاصة بي، حاولت تصوير ما لم أستطع التعبير عنه بالكلمات”.

أما الثاني (144 دقيقة)، فيسرد حكاية امرأة “غير مرئية”، تُصوّر شعبها خلال الثورة في سورية، بين عامي 2011 و2017. إلى جانب كونه يوميات بلد مُقيم في الحرب، يُلاحق الفيلم ناشطين سياسيين لديهم أفكار مثالية. لكن إيمانهم بقدرة بلدهم على تجديد نفسه، تصطدم سريعًا بمعضلة أساسية: هناك أجيال جديدة تمتلك مفاهيم دينية متشدّدة، ما يُحوّل كلّ شيء، تدريجيًا، إلى نزاعات: “عبر مصائر أشخاصه على مرّ السنين، يعكس الفيلم تأمّلات سياسية عميقة حول صعوبة توحيد الأمّة”، كما كتبت المبرمجة ماتيلد هنرو.

أخيرًا، هناك “بغداد في ظلّي” (إنتاج مشترك بين سويسرا وألمانيا والمملكة المتحدة والعراق، 2019، 109 دقائق، بالألوان) لسمير جمال الدين: كاتبٌ فاشل، وامرأة مختبئة (بسبب مشاكل لديها)، وشاب مثلي الجنس يعمل بطريقة غير شرعية في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية، يلتقون جميعهم في “مقهى أبو نواس” في لندن، المكان الشعبي الذي يتواجد فيه عراقيو المنفى البريطاني. لكن، وبتحريضٍ من إمام المسجد، يعتدي ابن أخت الكاتب، وهو شاب متشدّد دينيًا، على عمّه، قالبًا حياة الجميع رأسًا على عقب.

“متناولاً أحوال أناس في الدياسبورا العراقية، يُظهر الفيلم أساليب مختلفة للتعامل مع المنفى وصوغ الهوية”، كما في نصٍ للمبرمج فكتور بورنيرياس، الذي يُضيف أنّ “لا شيء يبدو مثاليًا، لكن هناك ما يحثّهم على التعرّف على ماضيهم”، مُشيرًا إلى أنّ سمير يعتمد على مهارة سينمائية واضحة، وقصص مُشوّقة، فإذا بالفيلم “يدفع شخصياته إلى مواجهة أشباح التاريخ”.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here