فورين بوليسي: “حميدتي”.. تاجر الجمال ومروع دارفور يحكم السودان اليوم

في تقرير تحت عنوان “الرجل الذي روع دارفور هو من يقود العملية الانتقالية المفترضة في السودان”،كتب الصحافي جيروم توبيانا الذي غطى النزاع في تشاد ودارفور مقالا نشره موقع “فورين بوليسي” قال فيه إن محمد حمدان دقاو “حميدتي” نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي هو من يقوم بإصدار الأوامر الآن في الخرطوم. وقال إن الدبلوماسيين الغربيين في الخرطوم عرفوا بعد الإطاحة بعمر البشير في 11 نيسان (إبريل) من هو الشخص القوي في العاصمة، فلم يصافح سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي رئيس المجلس الذي لم يسمع به أحد من قبل، عبد الفتاح البرهان لكنهم صافحوا واجتمعوا مع حميدتي. ويعلق إن قصة صعود وتأثير رجل في الأربعينات من عمره وغير متعلم وقاد ميليشيا “الجنجويد” التي جلبت الموت والدمار على دارفور قبل 16 عاما وتظل لغزا. ويعتقد الكاتب أن حميدتي هو إرث الرئيس البشير الرئيسي خلال 30 عاما من حكمه. وكان البشير نفسه نتاجا لتحالف بين الجيش والإخوان المسلمين. وعندما تعب الجيش من الحروب في الجنوب وتفكك الإسلاميون، أقنعه قادة العرب في دارفور أن تجنيد شبابهم في ميليشيات سيساعده على النصر في النزاع الذي اندلع عام 2003. ولم يكن البشير يعرف أنه خلق وحشا لا يمكن السيطرة عليه، بعدما أنشأ الجنجويد ودعمها تحت قيادة حميدتي.
وبعد أيام من الإطاحة بالبشير أمل المدنيون بالتفاوض على عملية انتقالية مع البرهان وحميدتي. ولكن الدارفوريين كانوا متشككين لمعرفتهم بالرجال الذي أصبحوا في الحكم الآن. فقد كان البرهان عقيدا في الاستخبارات مسؤولا عن تنسيق هجمات الجيش والجنجويد في غرب دارفور بالفترة ما بين 2003- 2005 في وقت كان فيه حميدتي أمير حرب وسيصبح لاحقا قائدا للجنجويد.
ففي السنوات الأولى من الحرب التي تميزت بالشراسة والكثافة والتي أدت لمقتل مئات الألاف من المدنيين غير العرب وتشريد مليوني شخص والتي أدت لإصدار المحكمة الجنائية مذكرة لتسليم البشير. ويقول الكاتب إنه التقى مع حميدتي عدة مرات عام 2009، وكانت أول مرة في محل للمفروشات الشرقية كان يملكه في عاصمة جنوب دار فور، نيالا. ونقل إلى مكتب خاص داخل المحل ليقابل رجلا طويلا بابتسامة ساخرة تشبه طفل شقي، وكان قد عين في ذلك الوقت مستشارا أمنيا لحاكم جنوب دار فور. وهو أول منصب حصل عليه من خلال الابتزاز والتهديد بالتمرد. وينتمي حميدتي إلى عائلة عربية من تشاد فرت من الحرب والجفاف في الثمانينات من القرن الماضي. وقال له إن سلطات شمال دار فور لم تعترف بعمه جمعة دقلو كزعيم عشيرة عربية إلا أن ولاية جنوب دار فور رحبت به وبعشيرته وسمحت لهم بالإقامة على أرض تعود لقبيلة من الفور غير العرب.
وكان المكان اسمه “دوغي” بلغة الفور وتم تغييره إلى “أم القرى”. وسلحت السلطات أتباع دقلو الذين بدأوا بمهاجمة جيرانهم من الفور، مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي. وكان حميدتي ولدا صغيرا في ذلك الوقت حيث ترك المدرسة الابتدائية بعد الصف الثالث وبدأ بالعمل بتجارة الجمال عبر ليبيا ومصر.
وعندما اندلعت حرب دار فور عام 2003 أصبح أميرا في الجنجويد وقاد هجمات ضد قرى الفور. وبرر انضمامه للميليشيا قائلا إن المتمردين هاجموا قافلة جمال كانت في طريقها إلى ليبيا وقتلوا 75 رجلا ونهبوا 3.000 جملا. وفي عام 2006 قاد رجاله معتمدا على معدات جديدة سلسلة من المداهمات على مناطق المتمردين في شمال دار فور. وبحسب شهود عيان قام رجال الجنجويد بحشر الرجال غير العرب في شاحنات واغتصبوا النساء. وأدت أساليبه العنيفة لتوتر مع قادة الجيش. وفي نفس الوقت بدأت تشاد والسودان حربا بالوكالة ودعمت كل منهما جماعات من المتمردين. واستخدمت تشاد المسؤولين العرب لدفع الجنجويد على خيانة الخرطوم. وفي ذلك الوقت كان بكارا عيسى عبد الله، أحد أبناء عمومة حميدتي وزيرا للدفاع التشادي. واستدعى في عام 2006 قائد الجنجويد إلى العاصمة إنجامينا ودفعه لتوقيع معاهدة عدم عداء مع حركة العدالة والمساواة بدون معرفة الخرطوم. وبعد ذلك أعلن حميدتي أنه أصبح متمردا وتلقى في نفس الوقت زيارة من فريق تلفزيوني تابع للقناة الرابعة في بريطانيا والذي صور فيلما وثائقيا عنه. ولكن الصحافيين جاءوا متأخرين حيث صوروا أيضا المفاوضين الحكوميين الذين كانوا يتفاوضون مع حميدتي حول ثمن عودته إلى حظيرة الحكومة.

قام الرئيس المخلوع بجعل قوات “حميدتي”بمثابة الحرس الجمهوري ، ومكلفة بحماية البشير من المتظاهرين أو أي محاولات انقلابية.

ولم تتجاوز الفترة التي قضى فيها حميدتي متمردا إلا ستة أشهر كما أخبر الكاتب عام 2009 “لم نصبح متمردين” و “كل ما كنا نريده هو لفت انتباه الحكومة، وأردنا أن نقول لهم أننا نريد الحصول على حقوقنا، والرتب العسكرية والمناصب السياسية وتطوير منطقتنا”. أما القادة الآخرون الذين كانوا ناقدين للحكومة بمن فيهم موسى هلال الذي ترك منصبه الاستشاري للرئاسة في الخرطوم وبدأ بتشكيل منظمته الخاصة. وفي نفس الوقت قاتلت تشكيلات الجنجويد وبشكل مفتوح المخابرات السودانية في وسط نيالا، وكان حميدتي واحدا من القلة الذين ظلوا موالين لحكومة البشير. وفي النهاية تم اختياره ليقود قوات الدعم السريع لتحل محل الجنجويد، إلا أن الخطة فشلت، حيث أصبحت القوات خارجة عن السيطرة وانخرطت في عمليات نهب وقتل في دار فور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وبدأت هذه القوات بتصدير العنف إلى وسط السودان حيث طالبت بالفدية عن المدنيين المختطفين وأقامت حواجز على الطرق في شمال كردفان وأسهمت في قمع المتظاهرين بالعاصمة عام 2013. وأصبحت في ذلك الوقت بمثابة الحرس الجمهوري للرئيس، ومكلفة بحمايته من المتظاهرين أو أي محاولات انقلابية. وتحولت تحت إشراف الرئيس إلى القوة الثالثة داخل الأجهزة الأمنية ونافست الجيش والاستخبارات. وتم ترفيع حميدتي لرتبة عميد جنرال.
وفي عام 2016 بدأت قوات حميدتي بمحاربة تدفق المهاجرين واعتراضهم من السودان أو بقية دول القرن الأفريقي قبل وصولهم إلى ليبيا، وعرضهم على الشاشات المحلية لإقناع الأوروبيين أنهم الأشخاص المناسبين للمهمة. وفي الحقيقة، يقول الكاتب إن قوات الدعم السريع لعبت لعبة مزدوجة حيث ملأت شاحناتها بالمهاجرين الذي تم بيعهم لاحقا للمهربين في ليبيا. وكانوا عادة ما يسجنون ويعذبون. ومنذ سقوط القذافي عام 2011 يتعرض المهاجرون للتعذيب حتى يتصلوا بعائلاتهم لدفع الفدية مقابل حريتهم. ومن لم يستطيعوا الدفع حولوا إلى عبيد. وعلى التلفزيون الوطني السوداني زعم حميدتي أنه يعمل نيابة عن الاتحاد الأوروبي. وهدده بفتح الحدود إن لم يدفع الفدية مقابل “العمل الشاق” الذي قام به. وعندما شارك السودان في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن شارك حميدتي مع الفرقة السودانية التي نشرت هناك. وقاد القوات هناك البرهان الذي كان رئيسا لهيئة الأركان. وعمل الرجلان معا بشكل جيد، ويقال إنهما قابلا مسؤولين إماراتيين وسعوديين حيث ناقشوا مرحلة ما بعد البشير. وقالوا لهم إن الرجال الذين تبحث عنهم أنظمة السعودية والإمارات ومصر ليست لهم على علاقة مع قطر وإيران ومصر والإخوان المسلمين. وحصلت قوات الدعم السريع، حسب تقارير على دعم مالي وأسلحة من الإماراتيين والسعوديين. وفي مؤتمر صحافي عقده قبل فترة زعم حميدتي أنه خصص 350 مليون دولار لدعم الاقتصاد. وقال إنه حصل على المال لدوره في اليمن وعمليات التنقيب عن الذهب في السودان. وتنافس مع هلال على امتيازات الذهب واستطاع أخيرا دفع الحكومة لاعتقاله عام 2017.

من كان ينظر في الماضي إلى “حميدتي”كنكتة بدأ يتعامل معه كمهدد لآمال الديمقراطية.

وفي مقابلة تلفزيونية معه بعد الانقلاب زعم أن البشير طلب منه مع بقية قادة الجيش في بداية نيسان (إبريل) فتح النار على المتظاهرين، مستندا على بعض الآراء في المذهب المالكي إنه يجوز للحاكم قتل ما بين 30-50% من الشعب لحماية البقية. ولكنه قرر “عدم الوقوف أمام التغيير”. واستقال الرئيس الأول للمجلس، الجنرال عوض ابن عوف بعد 24 ساعة لاختلافه مع حميدتي الذي فضل البرهان. وتابع حميدتي حملة العلاقات العامة وزار الجرحى من المتظاهرين في المستشفى. ولكنه هدد في مؤتمر صحافي عقده في 30 نيسان (إبريل) متهما المحتجين بمدمني المخدرات وأنه لن يتسامح مع استمرارهم عرقلة حركة الشوارع. ومن نظر إليه في الماضي كنكتة بدأ يتعامل معه كتهديد على آمال الديمقراطية. وبالتأكيد فقد وضع حميدتي قواته – حوالي 9.000 عنصرا موجودا في الخرطوم بالإضافة إلى 4.000 عنصر جلبهم من دارفور من أجل مواجهة المتظاهرين، الجيش أو أي طرف يهدده. ويحظى حميدتي بدعم رجال العشائر العربية الذين أقاموا الجنجويد قبل 16 عاما. ولو وصلوا إلى السلطة فيعني “سرقة الثورة من الشعب”، حسب شعار رفعه محتج. وبالتالي تحويل السودان من دولة عسكر إلى دولة ميليشيا واستبدال الشعارات الإسلامية بشعارات التفوق العربي. وفي الوقت الذي اتسم فيه الرد الغربي بالسلبية إلا أن البعض يشعر بالخوف. ففي تشاد ورغم بقاء ابن عمه مستشارا للرئيس إلا أن حميدتي عبر عن معاداة تشاد. مما زاد من مخاوف الرئيس إدريس ديبي عن محاولات العرب السيطرة على النظام في إنجامينا. ووصل ديبي إلى الحكم بعد عام من وصول البشير. وسقوط هذا سيثير خوفه. ويعتمد ديبي في حكمه على قبيلة الزغاوة لكنه عين عددا من العرب وغيرهم في مناصب هامة بالدفاع والخارجية. وقد لا يرفض ساسة عرب طامحين دعما من حميدتي الذي تضم قواته مقاتلين عرب من تشاد ومتمردين سابقين ضد ديبي لجأوا إلى السودان. وقد يهتم المقاتلون هؤلاء لتغيير النظام بتشاد أكثر من السودان. ويذكر الكاتب أنه حتى لو تم سحب سلاح جماعات في الجنجويد إلا أنها لا تزال ناشطة قرب الحدود مع ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. وتقول تقارير أن بعض مقاتلي الجنجويد انضموا للجماعات الجهادية في مالي. وأصبحت قوة هذه الجماعات في مقام قوة الجيش السوداني النظامي والقوى الأخرى في المنطقة، وأي محاولة لنزع سلاحهم قد تنتهي بحمام دم. والقضية في السودان ليست مجرد فك اعتصام.