جهاز الأمن.. إعادة هيكلة بأمر (سيادي)….

24

أعلن المجلس العسكري الانتقالي، إحالة الضباط في قيادات جهاز الأمن والمخابرات الوطني برتبة الفريق إلى التقاعد، وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهانن قد أصدر قراراً أحال بموجبه ثمانية قيادات أمنية نافذة إلى التقاعد، وذلك في إطار خطة لإعادة هيكلة الجهاز. “الصيحة” نقّبت داخل أروقة الجهاز متتبعة مساراته – رغم مغبة التحذير “ممنوع الاقتراب والتصوير” عبر ثنائية الأمن والسياسة مجاوبة عن كثير من الأسئلة الشائكة التي قد تختلط على الأذهان مثل مفهوم الأمن القومي، وهل يحمي الجهاز أمن وسلامة الدولة أم النظام، وهل يعمد الجهاز المثير للجدل إلى بعض التجاوزات مثل التعذيب للحصول على مبتغاه؟.. وغير ذلك الكثير المثير الذي تجده في ثنايا الورقة، علّنا نتوافق على جهاز أمن قومي مهني يحمي الدولة المدنية من المتربصين بها.
مفهوم الأمن القومي
تقول الدراسات الاستخباراتية والإستراتيجية العامة، إن المهمة الأساسية لأجهزة الأمن والمخابرات العمل وفق منظومة متكاملة من أجهزة الدولة لحماية الأمن القومي من خلال عملية جمع المعلومات وتحليلها، ثم رفعها لمتخذ القرار أياً كان موقعه لتمكنه من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
ويمثل الأمن القومي لأي بلد بيئة شاملة ذات عناصر رئيسة مؤثرة على الدولة في تطورها ونموها وامتلاكها القوة الكافية الدافعة لحركة التقدّم وتحقيق المصالح القومية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية…
رؤية جديدة
لعلها رؤية جديدة طبقها الثوار عملياً في مملكتهم المحمية الممثلة في “القيادة العامة “لمفهوم الأمن –منذ أيام الاعتصام الأوّل في السادس من أبريل ودخول الآلاف لمقر القيادة العامة مؤيدين لخطوة الاعتصام، إذ لجأ المعتصمون لتأمين موقفهم لتفتيش الجميع رجالا ونساء ولم يسلم حتى الصغار من مهمات التفتيش، وأظهرت صورة تم تداولها في وسائط التواصل الاجتماعي تظهر طالباً يفتش أستاذه الجامعي قبل الدخول إلى ميدان الاعتصام، ثم بعد التفتيش يتعانقان في إشارة إلى أن لا محسوبية في إجراءات السلامة العامة.. لعل ذات الرسالة أراد الثوار أن تطبق مستقبلاً في الدولة المشتهاة، بحيث يحمي جهاز الأمن الدولة لا النظام، وأن يكون الجميع سواسية أمام القانون، وألا تكون هناك محسوبية أمام تطبيق القوانين.
ميلاد
ولدت الاستخبارات العسكرية مع تشكيل قوة دفاع السودان، وذلك في العام 1908 إبان الحكم الثنائي بمكتب السكرتير الإداري تارة باسم قلم المخابرات وتارة باسم البوليس السري، فبوليس الجلابية، ثم القسم المخصوص، وفي حقبة الحكم الوطني بُعَيد الاستقلال وحتى انقلاب 25 مايو ظل الجهاز تابعاً لوزارة الداخلية تحت اسم الأمن الداخلي، بعد إنقلاب مايو أسس الرائد مأمون عوض أبوزيد – عضو قيادة الانقلاب – جهاز الأمن القومي، وكانت معظم مهامه تتعلق بمكافحة التجسس والاختراقات الأجنبية للأمن السوداني.
دمج
في التاسع من أغسطس عام 1978م، أبلغ الرئيس الأسبق جعفر نميري الفريق أول شرطة عبد الوهاب إبراهيم سليمان وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن العام بدمج جهازي الأمن العام والأمن القومي في جهاز واحد باسم جهاز أمن الدولة، ليتولى قيادته اللواء عمر محمد الطيب الذي أصبح لاحقاً نائب رئيس الجمهورية.
مع حركات التحرر
كان الأمن العام على اتصال بالثورة الإريترية منذ أن تأسست جبهة التحرير الإريترية، وانطلقت أول شرارة للكفاح الإريتري المسلح في سبتمبر 1961 بقيادة الشهيد حامد إدريس عواتي في مواجهة الاحتلال الإثيوبي، وكان ذلك الموقف الذي تبناه الأمن السوداني والمتمثل في مناصرة القضية الإريترية، إيماناً منه بأن ظلماً قد لحق بالشعب الإريتري عندما ضمت أثيوبيا إريتريا غصباً واستلاباً، وانطلاقا من مبدأ تحقيق التوازن في الموقف من السياسة الإقليمية في دول الجوار في القرن الأفريقي، فقد كان النظام الإثيوبي داعماً بوجه سافر للتمرد في جنوب السودان؛ لذا كان من شأن الموقف الأمني السوداني أن يُجبر إثيوبيا على مراجعة موقفها.
ويشير الفريق أول شرطة عبد الوهاب إبراهيم سليمان وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن العام الأسبق في مذكراته “أوراق من الذاكرة .. محطات في مسيرة ضابط بالمعاش “إلى صلة الثوار التشاديين بالأمن العام السوداني منذ مطلع الستينيات، قائلاً إننا تعاملنا مع حسين هبري بعد لقاء الجنينة لإيصاله إلى السلطة، وإن الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو – بزعامة الشريف حسين الهندي – قد استفادت من ضعف النظام التشادي.
الفلاشا
كانت عملية موسى العملية الأولى لتهجير اللاجئين الإثيوبيين الفلاشا من معسكراتهم في الشرق وتسليمهم في سلم الطائرة بمطار الخرطوم، في تنسيق مشترك بين الجانب الإسرائيلي الأمريكي من جانب، وبين جهاز أمن الدولة السوداني من جانب آخر.
وفي الرابع من مارس من العام 1985 زار الخرطوم نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حيث التقى بمضيفه الرسمي ومرافقه النائب الأول لرئيس الجمهورية اللواء عمر محمد الطيب، وفي فجر يوم 22 مارس 1985 – عبر عملية سبأ – بُدئ في تنفيذ الخطة بحشد اللاجئين الفلاشا بمهبط العزازة، ومن ثم بدأت الطائرات التابعة لسلاح الجو الأمريكي في الهبوط واحدة تلو الأخرى.. كل طائرة تحمل 90 راكباً من الفلاشا.. وبلغ عدد الطائرات ستاً حملت 450 من أفراد قبيلة الفلاشا الإثيوبية، وتوجهت بهم إلى دولة الكيان الصهيوني المحتل.
محاكمة
تعتبر قضية ترحيل اليهود الفلاشا من أشهر القضايا التي تمت فيها محاكمة نظام 25 مايو1969 في شخص اللواء عمر محمد الطيب الذي كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس جهاز أمن الدولة حتى سقوط النظام إثر انتفاضة 6 أبريل 1985 .
حل الجهاز
حتى يوم 6 أبريل 1985 – يوم الانتفاضة الشعبية – كان يعمل في جهاز أمن الدولة 180 ضابطا و3100 جندي فقط، وكان غالبية الضباط والجنود من الكفاءات المدنية، ولا يجيد استخدام السلاح منهم إلا حوالي 60 فرداً فقط، وليس في حوزتهم إلا الأسلحة الخفيفة، امتلك جهاز أمن الدولة معلومات غاية في الأهمية، فكانت إدارة سجلاته عبارة عن طابق كامل في العمارة 3 تحتوي على معلومات ومستندات تتكون من ملفات شخصية بالنسبة للسودانيين، وعددها 6805 ملفات وقت التسليم، وتحوي معلومات عن 18675 شخصاً من السياسيين ومختلف الفئات التي لها نشاط سلبي أو إيجابي متعلق بالأمن، وملفات الأجانب وعددها 1392ملفا.
واعتبر رئيس تحرير الزميلة “التيار” الكاتب الصحفي عثمان ميرغني حل جهاز الأمن العام 1985 إحدى عشرة مخازٍ في تاريخ السودان المعاصر، وذلك وفقاً لكتابه “كيف أضاعوا السودان؟! ..عشر مخاز سودانية “قائلاً إنه “بعد حوالي 24 ساعة فقط – من سقوط نميري – أبت المفاهيم السياسية المعوجة إلا أن تطل برأسها، حتى قبل أن تجف دموع الفرح في مآقي الشعب المبهور بنفسه، وإنجازه الثوري. صدر قرار بحل جهاز أمن الدولة، هكذا خبطة واحدة، تصفية جهاز أمن الدولة و(شحن (كل ضباطه من المكاتب إلى سجن كوبر مباشرة “.
تعذيب
في تأملاته في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ، كتب المحبوب عبد السلام في كتابه “الحركة الإسلامية.. دائرة الضوء.. خيوط الظلام “، قائلاً إن الجانب الأشد خطورة على الانقلاب الوليد –انقلاب الإنقاذ – هو اتصال عناصر وسيطة في بعض الأحزاب بضباط القوات المسلحة، ممن سُرّحوا حديثاً في المعاش، وممن لا يزال في الخدمة تيسير الاتصال المأمون بهم، يغريهم بالتحرك السريع لوأد الثورة بانقلاب مضاد. بالمقابل فإن استشعار القيادة للخطر وتوالي تقارير أجهزة معلومات الحركة التي أحسنت استغلال آلياتها إلى حدها الأقصى وأحاطت تقريباً بكل تحركات المعارضة، ثم دفعت إلى المسارعة بإحلال عضوية الحركة في الأجهزة الخاصة، ليكونوا ضباط جهاز الأمن الرسمي وعساكره، وإذ بدأت لجنة الأمن والعمليات العليا عاجزة عن استيعاب تدفق المعلومات الصاعد إليها من أجهزة الحركة، قامت بتأسيس مراكز اعتقال خاصة فيما عُرف لاحقاً ببيوت الأشباح تمددت فيها الاعتقالات عشوائية واسعة تأخذ الناس بأدنى شبهة بلا تحقيق أو محاكمة، ولكن بتعذيب وإهانة لكرامة الإنسان لا يقرها مطلقاً الإسلام، ورغم أن عناصر الأجهزة لم يَعدَموا من يُفتي لهم بجواز التعذيب في الإسلام في مأساة فكرية تضاف للمأساة الأخلاقية”.
نفي التعذيب
قدم دفوعات عن أجهزة الأمن السودانية نافياً عنها اللجوء إلى تعذيب خصومها من المعارضين العقيد أمن “م” محمد الفاتح عبد الملك في كتابه “أجهزة الأمن السودانية 1900-1985 .. أحداث ومواقف” قائلاً: قد تكون أداة التعذيب وحدة داخل الجهاز تتبع لهم مباشرة، وقد تكون قسماً أو مؤسسة خارجية تعمل تحت إمرته من خلال غطاء معين.. يشكل الأطباء وأطباء علم النفس ركناً أساسياً في مثل هذه الوحدات. إنني على قناعة ويقين تامين، أن بلدنا السودان وأجهزتنا الأمنية منذ الاستقلال مروراً بمختلف العهود – وذلك من خلال معايشتي الشخصية ومتابعتي لما سبق وحتى سقوط مايو في أبريل 1985 وحل جهاز أمن الدولة – لم يشهد السودان على الإطلاق أو لم تكن لأي من أجهزته مثل هذه الوحدات أو الأقسام المتخصصة، بل لم تكن لأي من الذين تولوا مسؤولية رئاسة الأجهزة الجرأة أو مجرد التفكير في قيام مثل هذه الوحدات، أكثر من ذلك فقد تلقى عدد مقدر من الضباط وضباط الصف دورات خارجية في عدد من الدول، ولعل قادة الأجهزة في بعض تلك الدول قد عرضوا قيام دورات تخصصية في مجال التعذيب وأساليبه إلا أنها رُفضت، واستدرك عبد الملك قائلاً: “لا أود هنا أن أنفي أن بعض التجاوزات والتي يمكن تصنيفها تحت باب التعذيب قد وقعت داخل الأجهزة وتعرض لها الكثيرون من مواطنينا، ولكنني أجزم أنها كانت تصرفات فردية بحتة، لقيت الرفض والاستنكار، وفي معظمها لم ترق إلى التعذيب المنظم المدروس.. بل وفي بعض المواقف تعرض من قاموا بها للمساءلة والمحاسبة”.
ضرورة تعديل القانون
أشار الأكاديمي والمحلل السياسي، د. المعتصم أحمد الحاج إلى أن جهاز الأمن والمخابرات القومي، كانت لديه سلطات واسعة في العهد البائد، وتحوّل إلى قوة مُسلحة، لافتاً إلى أن إعادة الهيكلة تبدأ بالنظر في قانون الجهاز نفسه.
وأكد الحاج في حديثه لـ”الصيحة” بأن الخطوة الصائبة هي أن يتحول جهاز الأمن إلى جهاز معلوماتي يمد الجهات التنفيذية بالمعلومات التي تمس الأمن القومي والأمن الداخلي، وإذا ما عدّل القانون فهذا هو الطريق الصحيح نحو إعادة الهيكلة، وكثير من الخروقات التي حدثت في الفترة السابقة كان بها جانب قانوني يعطي أفراد الأمن المبرر لفعل الكثير من العنف تجاه المدنيين، فكل الممارسات السيئة والقتل والاعتقال التعسفي وعمليات التعذيب جميعها كانت مُباحة لهم بالقانون، فإذا عُطل ذلك القانون وتحول الجهاز إلى جهاز معلوماتي، فإن ذلك سيؤدي لإعادة هيكلة الجهاز بصورة جديدة وتجرده من سلاحه، فإنه سيصبح جهازاً قانونياً.
فوق القانون
وعاب الحاج على جهاز الأمن في فترة العهد البائد بأنه كان جهازاً فوق القانون، لذلك وجب تغيير القانون ليصبح الجهاز جهازاً معلوماتياً ثم تعاد هيكلته بحيث تبعد كثير من عناصره من الذين كانوا يمارسون ممارسات فاسدة كان يبيحها لهم القانون القديم، وبهذه الطريقة يمكن أن ننظف الجهاز من الفاسدين والبلاد تخطو بتؤدة نحو دولة القانون والتي هي ذاتها دولة الحريات، مضيفاً أن دولة القانون هذه يمكنها أن تستقبل البلاغات في العناصر التي مارست فساداً ظاهراً.
ونادى الحاج بضرورة ألا تكون لجهاز الأمن مهاماً تنفيذية وينحصر دورها في جمع المعلومات وطرحها أمام الأجهزة التنفيذية من مجلس وزراء وجهات عدلية وحقوقية ومجالس تشريعية وشرطية.
حماية الوطن
ولفت المحلل السياسي د. المعتصم إلى أن أجهزة الأمن في الدول المتحضرة تكون أجهزة لحماية الوطن من أخطار داخلية أو خارجية، ولكن في الأجهزة الشمولية يتحوّر دورها لتعمل لحماية النظام وتصبح الذراع القوي المحرّك للدولة، وهو ما رأيناه في النظام السابق الذي كان يُخصّص للجهاز أموالاً باهظة في الميزانية.
إستراتيجية جديدة
مصدر أمني رفيع – فضل حجب اسمه – دعا جهاز الأمن والمخابرات الوطني إلى اتباع إستراتيجية جديدة، يتم فيها شرح مهامه تفصيلاً للمواطنين وتفكيك بعض وحداته، وثمّن المصدر خطوة المجلس العسكري الانتقالي بإعادة هيكلة الجهاز وإقالة قياداته من الخدمة، مضيفاً أن المجلس العسكري الانتقالي استفاد من تجربة انتفاضة 6 أبريل 1985 التي عملت على حل جهاز أمن الدولة، وما صاحب ذلك من مخاطر وخيمة عادت على الدولة بأسرها.