هل تكون الفائز الأكبر من المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا؟

أخيرا وبعد عشرين عاما من القطيعة التي لم تخل من الصراعات والحروب التي راح ضحيتها الآلاف من العسكريين والمدنيين، تم التطبيع بين الجارتين الإفريقيتين إثيوبيا وإريتريا، بعد توقيع البلدين لاتفاقية السلام في جدة برعاية سعودية إماراتية، ومباركة دولية ممثلة في حضور الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة.

لقد كانت خطوة مهمة ومفصلية في تاريخ البلدين بل وتاريخ ومستقبل القرن الإفريقي كله، قطعت الشك باليقين لدى كل من كان يتوجس خيفة من عدم اكتمال خطوات مشروع السلام بين الجارتين المتحاربتين على مدى عقدين من الزمان. كانت مفاجأة مدوية عندما بادر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في إبريل 2018 بالإعلان عن رغبته في إعادة العلاقات المقطوعة مع إرتيريا، وإعلان الإئتلاف الحاكم في إثيوبيا عن تأييده لهذه الخطوة وإعلانه الموافقه على إتفاقية الجزائر.

رغم ذلك كانت المخاوف أكبر من حجم الآمال المعلقة على الاتفاق المحتمل آنذاك، نظرا لوجود معوقات كثيرة داخل إثيوبا وإريتريا وفي محيط البلدين، كان من الممكن أن تسهم في فرملة عجلة السلام، لولا وجود نوايا طيبة متبادلة واستعدادات حقيقية لدى البلدين للمضي قدما نحو هذا السلام، بالإضافة إلى المساعي الحميدة لكل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اللتين كانتا راعيتين لهذا الحدث التاريخي الكبير.

يأمل الخبراء في أن تصدق عزيمة الطرفين للعمل على تفعيل السلام والتطبيع بكل مظاهره، وأن ينجح هذا السلام في طي صفحة الماضي بكل سنواته الدموية عبر صراع متجذر من خمسينات القرن الماضي. لقد بدأت الصراعات بين إثيوبيا وإريتريا منذ عام 1950 حينما عقدت إيطاليا وبريطانيا وأمريكا مؤتمرا لإعلان الإتحاد الإثيوبي الإريتري. الأمر الذي صاحبه مواجهات عنيفة بين الطرفين وصولا لإعلان الشعب الإريتري الكفاح المسلح على مدار عقود طويلة، وهو ما انتهى بإعلان استقلال إريتريا عام 1991 ثم تعيين آسياس آفورقي رئيسا للجمهورية عام 1993.

ولعبت الخلافات على الحدود دورها في تأجيج الصراع بين الجارتين لتشتعل المواجهات الدموية عام 1998 قبل أن تتجدد بشكل أشد شراسة عام 2000 وهو ما خلف دمارا كبيرا وجرحى وقتلى بالآلاف، بالإضافة للخسائر المادية التي تجاوزت 6 مليارات دولار. وعلى مدار ما يقرب من عقدين من الزمان دخلت الجارتان الإفريقيتان دائرة الحرب الباردة التي انعكست آثارها السلبية على شعبي البلدين، الذين أصبحا الخاسر الأكبر في هذه الصراعات.

وعندما تولى آبي أحمد رئاسة الوزراء الإثيوبية، تغيرت بوصلة السياسة الإثيوبية داخليا وخارجيا، من خلال العقلية المتميزة التي يمتلكها أحمد ويعول عليها المتفائلون في تحقيق إنجازات كبرى في إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي ككل.

لا يوجد مستحيل، ولكن المشكلة تكمن في صدق النوايا وقوة الإرادة والتصميم على تحقيق السلام وتغيير نظرة المجتمع الدولي للبلاد إيجابيا، ولكن لا يمكن لذلك أن يتحقق إلا لمن يمتلك شجاعة وجرأة في مواجهة معارضي السلام وقلبا ثابتا يؤمن بما يفعل، وهو ما بدا واضحا في شخصية آبي أحمد الذي يبدو أكثر انفتاحا على العالم وصاحب عقلية براجماتية في التعامل مع المواقف الشائكة، وكانت هذه البراجماتية هي المحفز القوي لإبداء النية والتوجه لطريق السلام حتى يتفرغ لمعركة البناء والتنمية داخل بلاده.

وكأنه يقول لشعبه وكل من يعارضه في توجهه السياسي، كفانا حروب وصراعات حتى نستطيع دخول مرحلة التطوير والتنمية. لقد بعث آبي أحمد برسائل طمأنة للعالم ولجارته إريتريا وشعبها، عندما قام بإعلان سحب قوات بلاده من الحدود مع إريتريا، ما حفز الأخيرة أن تقوم بنفس التصرف في إطار المعاملة بالمثل بشكل يعكس أجواء الثقة المتبادلة بين الطرفين والتي تعد حجر الزاوية في استمرار التوجه السلمي ونبذ الصراعات. كانت فرحة كبيرة تغمر أبناء الشعبين وهم يلتقون ذويهم الموجودين في الجانب الآخر من الحدود لأول مرة منذ عشرين عاما بعد أن أعادت الدولتان فتح الحدود البرية،

وكانت مشاهد تبادل الأحضان بينهم في مشاعر مؤثرة لقطات تكمل صورة حفاوة لقاء السلام الدافئ الذي جمع أحمد وأفورقي.أمال كبيرة وعريضة تداعب أحلام الملايين من شعبي إريتريا وإثيوبيا بالعيش في أمان وسلام، وطي صفحة الحروب بلا عودة بعد أن دفعوا أثمانا باهظة من حياتهم وأرواحهم. إن فتح الحدود البرية هو مجرد بداية أو إرهاصات لحدوث مزيد من النتائج الإيجابية المرجوة والتي تعود بالنفع على الشعبين. تشمل هذه النتائج استئناف الرحلات الجوية وتطوير الموانئ وتفعيل حركة التبادل التجاري بين الجارتين بعد القطيعة الطويلة التي حرمتهما من تبادل الميزات النسبية لكل منهما.

كما إن اتفاق السلام بين الجارتين يمهد لنتائج وطموحات تتجاوز عوائدها الإيجابية حدود طرفي الإتفاق، وتمتد لتشمل منطقة القرن الإفريقي ودول شرق إفريقيا. تعد إثيوبيا في مقدمة دول شرق إفريقيا التي تحرص على أهمية التنمية والتعاون مع الجيران لدورها في التقدم. ومن هذا المنطلق كان صعود ابي أحمد إلى قمة السلطة في بلاده وشجاعته في المضي قدما نحو السلام، نقطة فاصلة في تاريخ إثيوبيا ومؤثرة في حاضرها ومستقبلها.

ومع ترجيح كفة استمرار السلام بين البلدين فإن هناك عوائد كثيرة تجنيها الدولتان من وراء تصالحهما، منها تعزيز التعاون الإقتصادي، وتهدئة الفصائل المعارضة في كلا البلدين، وتحقيق مزيد من الانفتاح على العالم خاصة بالنسبة لإريتريا بعد إسقاط العقوبات الدولية عنها، وبطبيعة الحال يصب كل ذلك في اتجاه خلق مناخ إيجابي يدعم الاستقرار في الجارة الثالثة الصومال وهو الأمر الذي يجب استثماره من جراء السلام بين إثيوبيا وإريتريا.

إن هذا السلام من شأنه أن يخلق توازنات إقليمية جديدة في منطقة القرن الإفريقي تترك آثارها الإيجابية على معالجة وحلحلة كثير من القضايا المزمنة ومنها استقرار وأمن الصومال وفتح آفاق جديدة للتعاون بين البلدان الثلاثة بما يخدم مصالح شعوبهم.

ويبقى السؤال: هل آن الأوان لتكون هذه المصالحة التاريخية بداية لسلام يمتد ليشمل كل شعوب القرن الافريقي التي اكتوت ولا زالت تكتوي بنيران الحروب والصراعات ودفعت الثمن فادحا من أرواح أبنائها؟ هذا ما تثبته المرحلة المقبلة ويرتبط بمدى الصدق والعمل بإخلاص على تنفيذ الاتفاق والتعاون والصمود والتصدي بقوة لكل عناصر مقاومة السلام في المنطقة.

كتبت: صفاء عزب

مشاركة