قراءة الأحداث في القرن الإفريقي

تشهــد اليـوم منطقة القرن الإفريقي، تحولات جيوبولتيكيـة نوعية، وتغيرات جذرية في خارطة موازين القوة ووضعها الجيوسياسي لكامل المنطقة، لا سيما بعد قيام إثيوبيا – أحد أكبر اللاعبين الإقليميين -بتغيير سياساتها الخارجيـة إزاء مجمل قضايا المنطقة. فقد تبنى رئيس الوزراء الإثيـوبي أبي أحمد، رؤية سياسية جديدة تعلى أساليب الحوار والمصالحة، ووضع خطط عملية تهدف ليس إلى تسويـة سلميـة للصـراعات القائمـة في المنطقة فحسب، وإنما اعتمـاد التكامل الاقتصادي الإقليمي كحل للمشاكل السياسيـة والاقتصادية والاجتماعيـة والأمنيـة في المنطقة.

وفي تطور سياسي لافت، صوت مجلـس الأمن الدولي خلال جلسة عقدها يوم الأربعاء 14 نوفمبر الجاري بالإجماع على مشـروع قرار تقدمت بـه بريطانيا، ينص على أن يتم في الحال رفع حظـر الأسلحة وإلغاء جميع القرارات المتعلقـة بمنع السفر وتجميد الأصول والعقوبات المحددة الأهداف المفروضـة على إريتـريا منـذ عام 2009م. وبطلب من فرنسا سيتم تقــديم تقرير دوري إلى مجلس الأمن كـل ستـة أشهـر، يستعرض الجهود التي تبذلها أسمرة في انهـء الخلاف وتطبيع العلاقات مع جيبوتي.

والجدير بالذكر، أن الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلـه، كان قد توجه في السبت الماضي الموافق 7 / 11/ 2018م، إلى العاصمة الفرنسيـة باريس، للمشاركـة في فعاليات منتدى باريـس للسلام والتنمية الذي أقيم بمناسبة الذكرى المئويـة لتوقيع الهدنة التي انهت الحرب العالميـة الأولى في 11/ 11/ 1918م. وعلى هامش أعمال المنتـدى – أجرى لقاء مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، بحث فيه الجانبان آخر المستجدات في منطقـة القرن الإفريقي، وقضايا أخرى ذات الاهتمام المشترك.

وبحسب مصدر سياسي مطلع، فإن الرئيس جيله طلب من القيادة الفرنسية، المساهمة في الجهود الإقليميـة المتعلقة بإنهاء النزاع بين جيبوتي وإريتـريا. وقوبلت هذه الزيارة باحتجاجات واسعـة نظمتها المعارضـة الجيبوتية والمنظمات الحقوقية الأوروبية، وقد رفع المتظاهرون فيهـا شعارات مناوئة للرئيس جيله وحكومته، كما عبروا عن استنكارهم الإجراءات القمعية والانتهاكات الواسعة التي يمارسها بحق القيادات السياسية والنشطاء الحقوقيين.

ومن جهة أخرى، تباينت الآراء وتعددت القراءات والتحليلات، حول مغزى هذه الزيارة وتوفيتها السياسي، خاصة وأنها قد جاءت قبيل انطلاق أعمال القمــة الثلاثية التي استضافتها مدينة بحر دار الإثيوبية، للفترة ما بين 9 – 10 نوفمبر الجاري، والتي جمعت زعماء كل من إثيـوبيا وإريتريا والصومال، وجرى خلالها مناقشة مستقبل القرن الإفريقي، وسبل تسريع تشكيــل مشروع التكامل الإقليمي للدول الثلاث.

وبينمـا رأي عديد من المراقبين السياسيين، أن تداعيات التحولات الجارية في المنطقة، جعلت الرئيـــــس جيله وحكومه تغير موقفها، في محاولة لاستعادة علاقاتها مع حليفتها التقليدية (فرنسـا) لاحتواء هوة الخلاف الآخذة في الاتساع بينهما. تقول المعارضة الجيبوتية إن غياب الرئيس جيله عن أحداث القرن الإفريقي يدل بلا أدنى شك على أنه ونظامه يمران بمرحلة صعبة ودقيقة وأنه فشل في مواكبة الأحداث في المنطقة ما جعله يبحث في باريس عن مخرج لأزماته المتفاقمة بعد سنوات من التعاون الاقتصادي والعسكري المثير للجدل مع الصين.

مشاركة