قضية الصحراء وكلفة اللّاحل

2

فجأة تراجعت نبرة التفاؤل التي بدت في خطاب التنصيب للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في مراسم تنصيبه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عن استعداد الجزائر لفتح صفحة جديدة مع المغرب، وخصوصا فيما يتعلق بقضية الصحراء وجبهة البوليساريو. وهو التفاؤل الذي ردت عليه برقية التهنئة التي أرسلها ملك المغرب، محمد السادس، واعتبرها متابعون متناغمةً مع ما جاء في خطاب الرئيس الجزائري بخصوص فتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين.

إذ جاءت الأخبار من جديد بما اعتبرته المغرب مكاسب جديدة مهمة، فيما يتعلق بملف الصحراء، تمثلت في افتتاح قنصليات أفريقية بوتيرة متزايدة، في كبرى مدن الأقاليم الجنوبية، إلى جانب مصادقة البرلمان المغربي أخيرا على مشروع ترسيم حدوده البحرية، والتي تضم مياه الجنوب المغربي، علاوة على سحب مجموعة من الدول اعترافها بالجبهة الشعبية لتحرير وادي الذهب والساقية الحمراء (بوليساريو)، آخرها بوليفيا، حيث رفعت الجبهة المذكورة احتجاجها الى الاتحاد الأفريقي، مطالبة باحترام الشرعية الدولية في الصحراء، واتهمت الدول التي فتحت قنصلياتها في الأقاليم الجنوبية بخرق مبدأ التضامن الذي يجب أن يسود بين الدول المؤسسة للاتحاد.

تضامنت الجزائر مع “بوليساريو”، ووجهت اتهامات للمغرب بعرقلة مسار تسوية النزاع في الصحراء المغربية، مؤكدة خرق مبدأ التضامن وانخرام الموازين داخل الاتحاد الأفريقي. في هذه الأثناء، تطابقت تصريحات جديدة للأمين العام للاتحاد المغاربي، الطيب البكوش، بأن قضية الصحراء تظل القضية المؤبدة التي تعرقل مسار الاتحاد، إذ لا يرى آفاقا لانطلاق قطار الاتحاد، قبل أن تجد هذه القضية حلا بين الدولتين الجارتين. كما رشحت أخبار من أوساط ديبلوماسية في تونس على أثر زيارة أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الجزائر، ومباحثاته مع المسؤولين الجزائريين بخصوص عقد القمة العربية المقررة في مارس/ آذار الحالي، والتي قيل إن أوضاعا عالمية طارئة تتعلق بـ”كورونا” وراء تأجيلها، فيما قال وزير خارجية الجزائر، صبري بوقادوم، إن الظروف العالمية تستدعي التحضير لإنجاح الموعد، لافتا إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون الذي ستؤول إليه رئاسة القمة سيحدد تاريخ انعقادها، ملمحا إلى أن قضايا إقليمية مهمة، وفي مقدمتها الأزمتان في ليبيا وسورية، وتطورات القضية الفلسطينية، تستوجب إعدادا جيدا، حتى تخرج القمة عن “روتينها العادي”، وتكون قراراتها فاعلة محقّقة إجماع الحد الأدنى حول هذه القضايا.. وفي الأثناء، رشحت أخبار أن الملف الجزائري المغربي المتعلق بقضية الصحراء الذي تعتبره الجزائر من أولوياتها كان من الهواجس الأساسية، علاوة على ملفات أخرى جعلت الجزائر تعلن عدم استعدادها لاستضافة القمة العربية.

تاريخيا، تعرف قضية “الصحراء الغربية” (الساقية الحمراء ووادي الذهب)، بأنها من مخلفات الاستعمار الإسباني. وبينما كان بعض سكانها يتحرّكون غداة استقلال المغرب من أجل المطالبة بالتحرّر من ربقة الاستعمار، تقول مصادر تاريخية، ومنها ما جاء في كتاب للباحث التونسي، صالح البكاري، أن السلطة المغربية لم تبد الاهتمام نفسه بها، على خلاف قادة جيش التحرير الوطني المغربي الذين كانوا يريدون استكمال الاستقلال لإخلائها من المستعمرين. وظل وضع هذه المناطق بين الشد والجذب حتى أواسط سبعينيات القرن الماضي. وفي سنة 1975، وقعت اتفاقية مدريد، بعدما يئس الإسبان من الاحتفاظ بتلك المناطق.

وفي السنة نفسها، نظم الملك الحسن الثاني ما سميت بالمسيرة الخضراء، واقتسمت المناطق بين المغرب وموريتانيا فيما كان بعض الشباب، ومنهم طلاب، يعملون على دحر الاستعمار بطرق لا تلقى القبول من السلطة المغربية، في نطاق ما سمي اختصارا البوليساريو (جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب)، ثم الإعلان في السنة الموالية عن نشأة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ليحتدم الصراع العسكري بين القوات المغربية وأنصار هذه الجبهة في معارك دامية ومتقطعة، لتعلن الأمم المتحدة وقف القتال بين الجانبين سنة 1991، وأوفدت بعثة دائمة لمراقبة وقف القتال (المينورسو). وأقام المغرب جدارا ترابيا، أصبح يدير بفضله 80 % من الأرض المتنازع عليها، ليصبح الوضع أمرا واقعا، بعدما انزوت “بوليساريو” في الباقي منها، وفي مخيمات تندوف الجزائرية.

وفي الأثناء، اقترح المغرب موافقته على مبدأ الاستفتاء لتقرير مصير سكان الإقليم كما تطالب به الجبهة والجزائر، وكان ذلك في اجتماع القمة الأفريقية في نيروبي سنة 1981. ولكن المغرب قرّر الانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية سنة 1982 بمجرد قبول عضوية الجمهورية الصحراوية فيها، ولن يعود إليها (الاتحاد الأفريقي) إلا بعد العقد الأول من هذا القرن. لتتوالى بداية من 1984 سيناريوهات الحل المستحيل، ومن ذلك ما سماها المغرب الطريق الثالثة التي أدرجت في نطاق التقسيم الجهوي للبلاد، وهو ما رفضه “بوليساريو”، ليظل المغرب يعتبر نفسه في صحرائه، والصحراويون يلوحون، من حين إلى آخر، باستئناف القتال. ويُجمع متابعون على أن المغرب يعتبر هذه القضية مقدسة.

مهما يكن من أمر، فقد طال أمد معالجة هذه القضية بيد الأمم المتحدة وما تسمى الشرعية الدولية. ويتشعب الوضع إلى التعقيد، باعتراف موريتانيا بالجمهورية الصحراوية وإيواء الجزائر أتباع “بوليساريو” ودعمهم في المنابر الدولية. ويقول مؤرخون إن موقف الجزائر يخفي نزعة أيديولوجية، كانت تتبناها سنوات، بغرض قيادة العالم الثالث. ولا يخفى أنه كانت للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي أدوار متقلبة في هذه القضية، ليعترف العاهل المغربيمحمد السادس لاحقا بأن هذه العوامل قد “أطفأت جذوة الاتحاد المغاربي وضيقت أنفاسه”.

كلفة هذه القضية على المغرب باهظة جدا عسكريا وماديا ومعنويا، وباهظة على مجمل دول الاتحاد المغاربي التي تحلم شعوبها بالاتحاد والحق في العيش المشترك والتكامل الاقتصادي والثقافي والأمني. وهو أمل شباب هذه الشعوب في القادة الجدد لهذه الدول ليبتدعوا حلا لهذه القضية المعضلة، لكن تحقيق هذا الحلم يبدو، في المستقبل المنظور، صعب المنال.