المغرب والإمارات… البرودة والجفاء

2

دخلت العلاقات المغربية الإماراتية منعطفا جديدا، يوشك على تحويل البرودة والجفاء اللذين امتدا أكثر من سنة إلى صدام ومواجهة، بعدما قرّر المغرب، قبل أسابيع، تخفيض تمثيله الدبلوماسي على التراب الإماراتي، باستدعاء سفيره في أبوظبي بمعية القنصل في دبي، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين. انقلبت هذه العلاقات المتينة، والشراكة الاستراتيجية التي وضعت دولة الإمارات في صدارة الدول العربية المستثمرة في المغرب، إلى فصول من الحرب الباردة؛ على كل الجبهات، ضد مصالح المملكة، منذ أواخر عام 2017، عقب إعلان الرباط التزام الحياد تجاه الأزمة الخليجية، وتقديم العاهل المغربي، محمد السادس، نفسه للقيام بدور الوساطة بين الدوحة ورباعي دول الحصار، قصد إخماد فتيل الأزمة بين الأشقاء الخليجيين. عزّز المغرب موقف الحياد الإيجابي ذاك بإرسال طائرة مساعدات غذائية إلى قطر مع بداية الحصار، أتبعها بزيارة غير مبرمجة سلفا للملك إلى الدوحة، وُصف خلالها بكاسر الحصار. لم تستسغ الإمارات هذا التحرّك الذي جاء عكس توقعاتها، واعتبرت ما جرى خيانة وطعنا من الخلف من حليف تقليدي؛ فالمغرب كان محسوبا من الناحية التاريخية على نادي العائلات الملكية، بقيادة العربية السعودية.

لم يتقبل حكّام الإمارات انطباق التحولات الأخيرة في السياسة الخارجية للمغرب عليهم، بعدما اعتمدت الرباط البراغماتية منطقا جديدا، تتحرك على وقعه الدبلوماسية المغربية؛ أي استقلال القرار الخارجي وسيادته، وانتهاء مرحلة التبعية والاصطفاف، فجاء رد أولئك الظاهر في صيغة فتور غير مسبوق في العلاقات؛ جسّدها بقاء السفارة الإماراتية في الرباط بدون سفير أزيد من سنة، بعد مغادرة السفير علي سالم الكعبي المغرب بناء على “طلب سيادي عاجل”. وفي الخفاء حرب قذرة بشتى الوسائل، قصد إخضاع المغرب لتوجيهات غرفة العمليات في أبو ظبي التي يسعى ولي عهدها، محمد بن زايد، إلى لعب دور قيادي في المنطقة.

تحرص الإمارات بشدة على استغلال أي فرصة، قصد إدخال المغرب قسرا ضمن الاستقطاباتالجارية في العالم العربي، فقبل أيام أقدمت؛ بقرار أحادي الجانب، على محاولة إجلاء سياح إسرائيليين عالقين في المغرب، بسبب أزمة فيروس كورونا، من دون تنسيق أو تشاور مع البلد المضيف. وقصد التغطية على فشلها، أطلقت هجوما إلكترونيا واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي يروج إشاعاتٍ، مفادها اضطراب الأوضاع بسبب عجز الدولة عن مواجهة وباء كورونا.

وحاولت توظيف قضية الصحراء، بعد شروع المغرب في تقييم مشاركته في حرب اليمن، إلى درجة تجاوزت فيها الخطوط الحمراء، حيث بثت قناة العربية من دبي تقريرا عن الموضوع، تحدّث عن أن “المغرب قام بغزو الصحراء بعد انتهاء الاستعمار الإسباني”. أكثر من ذلك، سمحت باستضافة زعيم جبهة بوليساريو على قناة الحرّة الموجودة في الإمارات، للإعلان عن عزم الجبهة العودة إلى العمل المسلح ضد المغرب.

وإقليميا، عملت الإمارات ضد المغرب في الأزمة الليبية، فكانت في مقدّمة الدول التي أجهضت مجهودات المغرب الدبلوماسية، من خلال عرقلة تطبيق بنود الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات الليبية في ديسمبر/ كانون الأول 2015، بالدعم البشري والمادي لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لشن حرب على حكومةٍ شرعيةٍ زكّاها الاتفاق، وتحظى باعتراف دولي، منذ بداية سريان الاتفاق في إبريل/نسيان 2016. ويعتبر المغرب أن التدخل الإماراتي في الشأن الليبي إساءة له، فلا يعقل أن يُستدعى للمشاركة في حرب اليمن، بدعوى تثبيت دعم الشرعية هناك، بينما تقاتل الإمارات بضراوة ضد الحكومة الشرعية في ليبيا.

وقد ساهمت أبوظبي في تعاظم الدور الجزائري في الأزمة الليبية، على الرغم مما للمغرب من أسبقية تاريخية بشأن هذا الملف. كما ارتفع منسوب التنسيق بين حكام البلدين؛ فقد زار رئيس أركان الجيش الجنرال الراحل أحمد قايد صالح الإمارات أكثر من مرة، في عز الحراك الجزائري. تقارب غير مفهوم، بحكم وقوعه خارج سياق التحالفات الإقليمية وطبيعتها، ولا تفسير له سوى سعي الإمارات إلى محاصرة المغرب تمهيدا لعزله؛ فمواقفه وأدواره النشيطة في شمال أفريقيا وغربها، لا تتوافق مع خطط الإمارات وتوجهاتها.

امتدت مناكفة المغرب إلى الحقل الديني في أوروبا، حيث استغلت الإمارات البرودة والجفاء اللذين تشهدهما العلاقات بين الرباط وباريس؛ منذ أكثر من سنة، لشن هجوم على نموذج التدين المغربي
الذي يُروج في أوروبا، وتحديدا في فرنسا، من خلال مخطط يهدف إلى السيطرة على المساجد المغربية هناك، بتجنيد مواطنين مغاربة عهد لهم تدبير الشأن الديني لمغاربة الخارج، أمثال خليل مرون عميد مسجد ايفري الكبير باريس، ومحمد بشاري أمين عام المجلس الإسلامي الأوروبي.

ويبدو أن اللقاءات الخاصة بين محمد السادس ومحمد بن زايد بين الفينة والأخرى لم تنجح في رأب الصدع، وتطويق الأزمة الآخذة في الاتساع بين البلدين. وخير دليل على ذلك استبعاد دولة الإمارات من برنامج جولات وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، إلى بلدان الخليج في السنتين الأخيرتين. ثم اختيار أسلوب المعاملة بالمثل، بإعادة ممثلي الدبلوماسية المغربية في الإمارات إلى المملكة.

إنها بداية أزمة عميقة يتوقع أن تستمر طويلا، فالمغرب على ما يبدو مستعدٌّ لتحمل سياسة الابتزاز التي يمارسها أشباه “الحلفاء”، نظير الظفر بإعادة ترسيم حدود للعلاقات مع الدول، وفق ما يخدم مصالحه، ويثبت سيادته واستقلالية قراره الخارجي، بعيدا عن الاصطفاف في محاور يسعى قادتها إلى الهيمنة، وتحويل حلفائهم فيها لمجرد أتباع يتلقون التعليمات.