المغرب الكبير والسياسة الصغيرة

1

تؤشّر العلاقات بين الدول المغاربية إلى تحولات وثوابت تكاد لا تتزعزع، في حين تعرف منطقة الحوض المتوسط تحولاتٍ تسير باتجاه الجانب الإيجابي في التاريخ. .. كل عناصر التاريخ والجغرافيا والدين والمشترك البعيد بين المغرب والجزائر كانت تؤهلهما لكي يكونا جارين حقيقيين، يسيران يدا في يد، كما كانا في فترة الكفاح المسلح ضد المستعمر الفرنسي، غير أن السياسة التي جادت بها الحرية لم تكن في مستوى هذا المشترك العميق، ولا في أفق تاريخي يشيد بالمستقبل وينتصر له.

في المقارنة المفارقة، تسير العلاقة بين المغرب وإسبانيا في اتجاه التاريخ الحافل بالآمال، على الرغم من أن إسبانيا تستعمر مدينتين، هما سبتة ومليلية. وعلى الرغم من التاريخ الدامي للعلاقة بين الإسبان و”الموروس” (المغاربة في لغة قشتالة الكاثوليكية)، وعلى الرغم من حداثة خروج إسبانيا دولة مستعمرة، من جنوب المغرب وشماله، فقد طوّر الجاران علاقةً جعلت منهما نموذجا في الحوض المتوسطي.

والعلاقة مع إسبانيا اليوم، كما تدافع الديبلوماسية المغربية، هي مع دولةٍ تمثل أول شريك تجاري، والأشد تعاونا في مجال محاربة الإرهاب، والأكثر عقلانية وتبصّرا في الجوار الاستراتيجي، سيما وقد نجح البلدان في ترسيم الحدود البحرية، من زاوية المصلحة المغربية، بدون تأثر سلبي أو قلق متبادل.

اليوم، لمّا ننظر باتجاه الشمال، أي باتجاه الجارة الأيبيرية، والتي تطوّرت العلاقة بينها وبين المغرب من علاقة عادية إلى استثنائية، نتساءل: كيف حدث ذلك، على الرغم من أن كل عناصر التوتر، التاريخية والجغرافية والجيواستراتيجية، كانت مقلقة، إن لم تكن مناهضة لنا؟

لعل أصلح علاقة اليوم هي العلاقة معها، وعلى الرغم من أن اتفاقية حسن الجوار التي يريد لها اليمين المتطرّف الآن أن تخضع للامتحان مجدّدا، لم توقع إلا بعد عشرين سنة من التوقيع على اتفاقية الأخوة وحسن الجوار مع موريتانيا. والحال أن الصعوبة كلها كانت في العلاقة مع إسبانيا منذ تلك الفترة، وكانت الدولة التي تحتل الجنوب المغربي في فترة توقيع اتفاقية حسن الجوار مع المختار ولد دادة، ومع ذلك صارت العلاقة الأكبر والأوثق والأمتن.

شرقا، العلاقات أقل صعوبة، وأقل تعقيدا، مما هي عليه مع إسبانيا. ومع ذلك، فهي الأكثر توترا، والأكثر صعوبة والأكثر عداء حتى، مقارنة بالحدود الأخرى. وقد اختارت الدولة المغربية من خلال رئيس ديبلوماسيتها أن تؤطر الزيارة إلى موريتانيا بالتذكير باتفاقية الأخوة وحسن الجوار.

وفي الصورة الواضحة، هناك مضمر له عمقه وبداهته، يقول إن الاتفاقية التي لعب فيها الرئيس الجزائري الراحل، هواري بومدين، دورا أساسيا، هي بحد ذاتها نفي لأي زعم بوجود شعبٍ في دولة ما بين المغرب وموريتانيا، أو تقرير مصير مزعوم آخر. وفي سياق الاتفاقية، كان الواقع يساير منطق البداهة: كيف يمكن عقد اتفاقية حسن الجوار، في 1970، وبحضور الرئيس الجزائري، إذا لم يكن الجميع يسلم بأن الجوار الحقيقي الترابي المتلامس هو بين المغرب وموريتانيا.

وبالتالي، فإن الذي تنكّر لهذه الروح هو من دعم من بعد فكرة قيام شعب من سراب الصحراء ودولة من سراب السياسة، فقد كان من غير المنطقي أن يتم توقيع اتفاقية حول جوار أخوي وحسن، إذا كان هناك بالفعل تراب أو أرض لا تنتمي للبلدين، بينهما.

يبدو الوضع في المغرب العربي الكبير كما لو أن السياسة أراد لها أصحاب النزعات الانغلاقية أن تكون صغيرةً للغاية وسقفها منخفضا عن التاريخ والجغرافيا والمصالح الشعبية… إسبانيا والجزائر في علاقتهما مع المغرب درسان متنافران، نظرتان، واحدة باتجاه التاريخ والأخرى باتجاه الماضي.

ويتذكّر المغاربيون أن دماء كثيرة جرت تحت جسور الهوة بين البلدين الشقيقين، وعرفت المرحلة المباشرة للمسيرة الخضراء إلى أقاليم الجنوب المغربي اندلاع نزاع مسلح. وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار بعد 16 سنة من النزاع مع الجيران ومن يساندهم، ولا تزال الجزائر تبني تحركاتها وشرعية نظامها على معاندة شقيقها المغرب.

واليوم، نشهد في إسبانيا حسما في القضية، إذ انتقلت مدريد من التهديد بإطلاق النارعلى العزّل من نساء وأطفال واستعمال التدخل العسكري لمنع المسيرة، إلى طرد “بوليساريو” من رحاب البرلمان، برفض عقد ندوة لصالحه دعت إليها التيارات المتطرفة من اليسار واليسار الانفصالي، وصارت إسبانيا نفسها أمام واقع انفصالي، احتمت فيه بالنظام الملكي وبالدستور، كي تؤمن نفسها ضد الانفصاليين، وعرفت معنى ذلك على التراب والإنسان.

في حين تسير الأمور مع موريتانا نحو الإيجاب التاريخي، يبدو أن العودة إلى اتفاقية حسن الجوار والأخوة عودة إلى الاحتماء بأصل العلاقة وركوب منطق التاريخ للذهاب إلى المستقبل.