ثمن التقارب مع المغرب: إسبانيا تتنصل من البوليساريو

3

تمرُّ العلاقة بين جبهة “البوليساريو” الانفصالية وإسبانيا بمنعطفٍ دقيق، تجمّعت فيه معطيات عدة، تذهب في اتجاه حدوث تحوّل كبير في موقف مدريد، التي ظلّت تاريخياً مصدر دعم وتعاطف واضحين للجبهة، ويأتي ذلك مقابل اتساع التقارب بين المغرب وإسبانيا. وساد التوتر خلال الأسابيع الماضية علاقات الجبهة بمدريد، حتى بدا أنه بلغ نقطة اللاعودة، على خلفية تأكيد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز تأييده التام للحلّ السياسي ومبادرة الحكم الذاتي في النزاع حول الصحراء.

من جهتها، عادت جبهة “البوليساريو”، في شخص ممثلها في إسبانيا عبد الله العرابي، أول من أمس الاثنين، لتهاجم مدريد، بعد إصدار المحكمة العليا الإسبانية، أعلى هيئة قضائية في البلاد، حكمها برفض منح سيدة مولودة في الصحراء عام 1973 الجنسية الإسبانية، مؤكدة “عدم إمكانية تنصل مدريد من التزاماتها التاريخية والقانونية والأخلاقية والإنسانية تجاه الشعب الصحراوي”.

وخلال الأيام الماضية، بدا لافتاً توالي مؤشرات عدة تنّم عن تغير في الساحة السياسية الإسبانية في علاقتها بقضية الصحراء، وبداية تراجع في مساحة الدعم الخاص الذي ظلّت تستفيد منه “البوليساريو”، من قبل الأحزاب والجمعيات، اليسارية على وجه الخصوص.

وبرز أول المؤشرات، الأسبوع الماضي، حينما قضت المحكمة العليا الإسبانية برفض طلب سيدة ولدت في العام 1973 بالصحراء، الحصولَ على الجنسية الإسبانية باعتبارها مستعمَرة سابقة، إذ أقرّ الحكم بأن الصحراء ليست أراضيَ إسبانية، ما يعني ضمنياً عدم وجود مسؤولية تاريخية أو سياسية تربطها بهذه الرقعة الجغرافية، على خلاف ما يدعو إليه قادة “البوليساريو”.

هذا الحكم الذي يُعدُّ الأقوى حتى الآن، لم يكن وحيداً، إذ أعلنت المحكمة العليا الإسبانية، بداية الأسبوع الماضي، عن قرار آخر يؤشر على تغيير جذري في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، بعدما قضت بمنع رفع أعلام “البوليساريو” في الفضاءات العامة والمباني الحكومية، لأن رفعها “لا يتوافق مع الإطار الدستوري والقانوني الحالي” أو مع “واجب التحفظ والحياد المفروض في الإدارات الإسبانية”.

وبموجب هذا الحكم، بات مفروضاً على جميع الهيئات السياسية الرسمية في إسبانيا عدم رفع أو وضع علم “البوليساريو”، سواءً بشكل دائم أو مؤقت حتى عندما يتعلق الأمر بلقاء مع ممثلي الجبهة، على اعتبار أن هذا العلم لا يحظى بالاعتراف الرسمي من الحكومة الإسبانية.

واعتادت جبهة “البوليساريو”، خلال السنوات الماضية، على استغلال تعاطف بعض البلديات الإسبانية لرفع علمها، بيد أن حكم المحكمة العليا يجعل تحدي تحجيم مساحة الدعم الخاص، الذي ظلّت تستفيد منه الجبهة في الداخل الإسباني، مطروحاً بشكل قوي على قيادتها، ولا سيما في سياق يتسم بتسارع وتيرة انكماش رقعة التأييد والاعتراف الذي ورثته عن فترة الحرب الباردة.

وجاء القرار القضائي بعد أيامٍ قليلة عن انتكاسة أخرى تلقتها “البوليساريو” بمناسبة الاحتفاء بيوم أفريقيا في 25 مايو/ أيار الماضي، عندما نشرت وزيرة الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون أرانشا غونزاليسلايا، على الحساب الرسمي التابع لوزارتها بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، خارطة للقارة السمراء تتضمن أعلام جميع الدول الأعضاء باستثناء راية الجبهة.

وهو ما اعتبرته الأخيرة استفزازاً وحادثاً “غير مَحسوب العواقب” و”سابقة في الحقل الدبلوماسي”، فيما رأى فيه محللون مؤشراً على عدم اعتراف مدريد بوجود دولة مستقلة على أراضي الأقاليم الجنوبية للمغرب، وصفعة جديدة للجبهة ولداعميها في المنطقة.

وخلال الآونة الأخيرة، بدأت الحكومة الإسبانية تنهج سياسة أكثر قرباً للمغرب، وهو ما أثار حفيظة “البوليساريو” في مناسبات عدة. ففي 25 سبتمبر/أيلول 2019، قال رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن “الحكومة الاسبانية ترغب في المساهمة في جهود الأمين العام الأممي (أنطونيو غوتيريس) من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول بين الطرفين” لمشكلة الصحراء، دون أن يذكر “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير”.

وأثناء رحلتها إلى الجزائر في 3 مارس/ آذار الماضي، سارت وزيرة الخارجية الإسبانية على النهج ذاته، مؤكدة أن بلادها “تدعم جهود الأمين العام الأممي للتوصل إلى حلٍّ سياسي في إطار قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

ولئن كانت هذه المؤشرات تأتي في سياق يجعل العلاقات بين “البوليساريو” وإسبانيا على المحك، فإن اختيار الجبهة مهاجمة مدريد مباشرة بعد سلسلة من الخطوات التي اعتبرت أنها تشكل انحيازاً للطرح المغربي، ينذر بالمزيد من التوتر خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً في ظل حرص حكومة بيدرو سانشيز على علاقاتها مع الرباط، التي شهدت نمواً مضطرداً في السنوات الأخيرة، بلغت ذروته بمجالات الاقتصاد والتعاون الأمني والاستخباري، فضلًا عن دعم سياسي تقدمه مدريد لجارتها الجنوبية داخل الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت الذي ينظر فيه إلى نزوع الجبهة الانفصالية نحو المواجهة مع مدريد، على خلفية قرارات المحكمة العليا الإسبانية، على أنه تحوّل كبير في العلاقات بين الطرفين، يعتقد الباحث في الشؤون الصحراوية، نوفل البعمري، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن تلك المواجهة ستنعكس سلباً على البوليساريو ومكاتبها الموجودة في إسبانيا، التي ستصبح حركتها مقيدة، كما ستصطدم بتوسع دائرة دعم الشراكة الإسبانية المغربية من داخل مدريد، دعماً للحل السياسي المغربي المتمثل في مقترح الحكم الذاتي. ويلفت البعمري إلى أن تلك الدائرة تتسع اليوم، لتشمل حزب “بوديموس”، الذي أصبح بفعل هزّاته الانتخابية والتنظيمية يتجه نحو الواقعية والوعي أكثر بمصالح إسبانيا، خصوصاً على الصعيد الخارجي.