حكومة العثماني ومؤشر المئة يوم الأولى 

بقلم : يحيى اليحياوي، كاتب وأكاديمي مغربي

اكتملت -منذ أيام قلائل- المئة يوم الأولى من عمر حكومة سعد الدين العثماني بالمغرب التي قيل بشأن سياق تشكيلها الكثير، وراجت حول ظرفية استنباتها مقولات من الصعب حقا حصرها أو رصدها، أو التوقف عند كل خلفياتها بالتفصيل. ومع أن مدة المئة يوم ليست إكراها دستوريا ثابتا، أو لازمة سياسية لا مناص من الانصياع لها، فإنها في الأصل عرف قائم لجس نبض التشكيلة الحكومية، وقياس مدى سرعة وتيرتها في مباشرة الأولويات، وإرسال الإشارات الكبرى للنهج والطريقة التي تعتزم اعتمادها واتخاذها سلوكا طيلة مدة الانتداب.

اعتبارات حاضرة

بيد أن مؤشر المئة يوم -الذي غالبا ما يعتمد في الديمقراطيات الغربية الكبرى- لا يسعفنا كثيرا لمقاربة ما قدمت يدا حكومة العثماني خلال هذه الفترة، “فترة السماح” كما يسميها الفرنسيون:

– فحكومة العثماني جاءت في أعقاب مسلسل معقد، طال أكثر من نصف سنة من الانحسار المؤسساتي والسياسي الذي ميز فشل تشكيل الحكومة على يد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأول المقال وزعيم حزب العدالة والتنمية المتصدر للانتخابات التشريعية في سبتمبر/أيلول 2016. الرجل نفسه لم يكن يراهن على المنصب، ولا جال بخلده أنه سيستعاض به عن بنكيران “الصانع لكل أمجاد الحزب” منذ عام 2002 وإلى 2016، مرورا باستحقاقات عاميْ 2007 و2011. وبالتالي، فالرجل لم يكن مهيأ للمنصب، ولا كانت لديه دراية سابقة بخباياه وإكراهاته وترتيباته. فكيف -والحالة هذه- “نحاسبه” على مدة زمنية قد لا تكون كافية حتى لتكوين فريقه ومساعديه، فما بالك بتحقيق إنجازات ملموسة على الأرض؟

– وحكومة العثماني تشكلت قسرا من أطياف سياسية عدة متباينة الرؤى والتصورات، يبدو معها حزب رئيس الحكومة وكأنه مجرد حزب أقلية، بالقياس إلى الرتبة المميزة التي له في المؤسسة التشريعية، أو بالحضور على الأرض في المدن والبوادي، وفي المجالس الإقليمية والجماعات الترابية.

لقد انتُزعت منه المرافق الوزارية الكبرى المستحوذة على الميزانيات الضخمة، والمتحكمة في شرايين الاقتصاد والمال والاستثمار المفصلية، ولم يترك لحزبه إلا مرافق من مستوى ثان وثالث، لا بل تلك التي لها صبغة تقنية صرفة، من المتعذر أن يكون لفعلها وقع على أرض الواقع. فكيف لنا أن نسائل رئيس حكومة -في مدة زمنية قصيرة للغاية- عن سلوك وعطاء حكومة لغرمائه السياسيين نصيب الأسد منها عددا واختصاصات وميزانيات؟

– ثم إن رهان سعد الدين العثماني لا يشمل مؤشر المئة يوم باعتباره أداة قياس ناجعة لسرعة تجاوب حكومته، بقدر ما هو رهان على الاستمرارية في السلطة والذهاب بالحكومة إلى حدود شط الأمان، أمان إتمام مدة انتدابها الدستوري دون تنغيص من هنا أو هناك.

لقد كان حزب رئيس الحكومة قاب قوسين أو أدنى من الانتقال لكرسي المعارضة بعدما تم الاستغناء عن أمينه العام، لكنه تدارك الأمر -بذكاء نادر- بعدما تأكد لديه أن السير في ذلك الاتجاه إقدام على عملية انتحار جزافية، إذ كان من شأن ذلك أن يحرمه من الحكم للأبد، وقد يكون القرار نذير انشقاق وهوان وتشظٍّ، ناهيك عن احتمال دخول الحزب إياه في مواجهة مع القصر سيكون هو الخاسر الأكبر فيها دون منازع. هذه الاعتبارات الثلاثة كافية وحدها للتدليل على أن مؤشر المئة يوم متعذر الإعمال حقا، إن لم يكن بمنطوق الإنجازات النوعية بعيدة المدى، فعلى الأقل من زاوية ما يمكن تحقيقه على المستوى الكمي، القابل للقياس ومن ثمة للرصد والتتبع.

إنجازات تقنية

عسر المخاض وتعقد عملية الولادة وارتباك تشكيل مفاصل الحكومة، لم تسهم إذن في توضيح الصورة لما سيكون عليه أداؤها، ولا هو من شأنه أن ينبئ بوتيرة اشتغالها وتناسقية أعضائها، وقدرتهم على العمل كفريق متكامل. بيد أن هذه الاعتبارات لم تحل -رغم ذلك- دون إنجازات ثوت خلفها حكومة العثماني، بمجرد حصول برنامجها على ثقة البرلمان ومن ثمة مباشرتها لمهامها. يقول الناطق الرسمي باسم الحكومة إنه رغم هذه المدة القصيرة -التي لم تقدم فيها وعود محددة أصلا- فإن الحكومة حققت التزاماتها ذات الأولوية القصوى، من قبيل التصريح الحكومي لنيل الثقة وقانون المالية في ظرف زمني لا يتعدى شهرا ونصف شهر.

ثم هناك -يتابع الناطق الرسمي- “قانون التغطية الصحية للمستقلين، ومرسوم إحداث اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد..، وإرساء نظام لليقظة خاص بالموارد البترولية..، واعتماد المنظومة الوطنية المندمجة لتلقي الشكايات..”، ناهيك عن اقتناء الحكومة لمعدات طبية سيتم توزيعها على الجهات والمحافظات. وهي الإنجازات التي غالبا ما يقدمها الوزراء عند كل لقاء ومساءلة، وهي ذاتها التي فصّل فيها رئيس الحكومة في البرنامج التلفزيوني الخاص، الذي أفرد له للحديث عن منجزات حكومته خلال المئة يوم الأولى من عمرها.

هي تدابير ثابتة حقا، لكنها من طبيعة تقنية خالصة، ومحصورة في الزمن على مستوى المفعول. فإصدار مرسوم لتحديد اختصاصات هذا المسؤول أو ذاك ليس إنجازا يعتد به. وتعديل قانون أو تتميمه بهذا القطاع أو ذاك ليس تعبيرا عن منجز يُفاخر به.. وهكذا؛ فهي كلها إجراءات تدبيرية لا تلامس جوهر توقعات المواطنين في المأكل والمشرب والصحة والتعليم، وعلى مستوى البنى التحتية المهيكلة للاقتصاد وما سواها.

إن الأمر يجب أن يتعدى ذلك بكثير ليشمل الإصلاحات البنيوية العميقة، وسبل إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل، وإبداع أنماط جديدة في محاربة الفقر والهشاشة والعزلة، وما سوى ذلك. وهي أمور لا شك مستحضرة في البرنامج الحكومي العام، لكنها لا تستطيع أن تتساوق مع “فترة السماح” التي يحددها مؤشر المئة يوم.

إذا لم يكن بالإمكان الوقوف حقا عند منجزات “معتبرة” خلال فترة المؤشر، فإن حكومة العثماني لم يحالفها الحظ منذ اليوم الأول، ليس فقط جراء نكسة التعثر الحكومي بل أيضا لثقل تركة سابقاتها، وبروز حركات احتجاجية “نغصت عليها”، لعل أقواها حركة الاحتجاج المتأججة بمنطقة الريف شمال المغرب، والتي اشتدت وتيرتها تزامنا مع وصول العثماني للسلطة.

والواقع أنه لو كان ثمة من ارتباك حكومي يذكر، فيجب أن يتم البحث عنه في فلسفة تسيير الحكومة لهذا الملف، وطريقة التعامل مع المطالب التي رفعها المحتجون. صحيح أن العثماني ورث الملف عن حكومة بنكيران، لكنه لم يبرهن على حنكة في التواصل، فما بالك بالتسيير والفعل.

مستويات تذبذب

ثمة ثلاثة مستويات تجعل من إدارة حكومة العثماني لملف الريف تسييرا متذبذبا وغير ناجع، لا بل وغير مدروس بالمرة:

– المستوى الأول يتعلق بالتسرع في اتخاذ مواقف عوض أن تخفف من حدة الاحتقان، فلم تعمل في المحصلة إلا على تأجيجه ونفخ النار فيه. لقد اتهمت الحكومة وأحزاب الأغلبية من خلفها -في بيان رسمي مباشر- متزعمي الحراك بالدعوة إلى الانفصال، وبخدمة أجندات خارجية، وبتلقي أموال من جهات معادية للمغرب.

لقد كان البيان متسرعا بكل المقاييس، ودفع متزعمي الحراك إلى التصعيد، ودفع باقي المغاربة إلى التنديد به وبالصيغة التي خرج بها إلى الملأ. ورغم تراجع الحكومة عن البيان فيما يشبه الاعتذار، فإن ذلك لم يخفف حدة الاحتقان، ولا تبرُّم متزعمي حراك الريف من كل سبل الحوار مع الحكومة، أو مع الجهات التي تنوب عنها في المنطقة.

– المستوى الثاني يتعلق بما يسمى “المقاربة الأمنية” التي اعتمدتها الحكومة كأسلوب في التعامل مع حراك الريف. إذ لم يقتصر الأمر هنا على مطاردة كل شباب الحراك والزج بهم في السجون، بل تعداه إلى ما يشبه حالة الطوارئ التي لا يتحرك بمنطوقها المرء إلا بميزان.

ومع أن الحراك رفع شعار السلمية منذ اليوم الأول، فإن الحكومة لم تول الأمر كبير اعتبار، بل عمدت إلى إنزال قوى ضخمة في المنطقة، أدى وجودها الكثيف إلى إفشال المسيرة المليونية التي كان الحراك يراهن عليها في 20 يوليو/تموز الجاري.

– أما المستوى الثالث فهو تغاضي الحكومة عن مباشرة عملية تقييم للمشاريع التي كان الملك قد دشنها بمنطقة الريف، وتبين أن المصالح الوزارية لم تباشر تنفيذها أو لم تعمل على تجاوز أسباب تعثرها.

لقد كان لغضبة الملك وقع الصاعقة على الحكومة، لا سيما أن لجنة التحقيق المكلفة بتحديد المسؤوليات ستقف بالتفصيل عند مكامن الخلل…، ويروج أن تعديلا وزاريا موسعا سيُجرى في الحكومة إثر عيد العرش، وفيه سيتم استبعاد الوزراء المقصرين.

هذه المستويات الثلاثة كافية -في تصورنا- للتدليل على التخبط والارتباك الذي تعيشه حكومة العثماني، ولم يكد يمض على تنصيبها إلا شهور معدودة. صحيح أن ضعف الحكومة متأتٍّ -في جزء كبير منه- من كونها حكومة يكمن خيطها الناظم في توافقات الحد الأدنى، وصحيح أن ثمة قرارات من صلاحيات الملك شخصيا؛ لكن بصمة سعد الدين العثماني لم يتسنّ لها بعدُ أن تظهر للعيان وتتجسد.

إن مؤشر المئة يوم لا يستطيع أن يقيس برنامجا من خمس سنوات. إنه يقيس التوجهات ومنهجية الأداء الحكومي، ويقيس قدرة ونجاعة هذا الأداء في الزمن والمكان.

بيد أن هذا يستوجب حكومة متناسقة، تعمل ببرنامج حكومي واضح وبمنهجية عمل واضحة، كما يستوجب تحديد المسؤوليات بدقة، وآليات في التقييم قمينة بضمان سبل التقويم؛ فهل الأمر كذلك فيما يتعلق بحكومة العثماني؟ لست متأكدا من وجود ذلك حقيقة.

مشاركة