عبد الواحد بن عاشر .. ثَـرَوْة فِقْهية مغربية عابِرة للقُرون

7

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية. هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ. الحلقة السابعة عشر: عبد الواحد بن عاشر.. فَخُْر مغرب السَّعديين وكلُّ القرون الموالية مِن رحِم أسرة أندلسية الأصل، هاجَرتْ صوب المغرب هروباً من اضطهاد حركة الاسترداد، وتَجنُّباً لكتابة لَقَبِها بطريقة إسبانية مُحَرَّفة، استَقرَّ فَرْعُ أسرة (عاشِر) بمدينة تطوان شمال المغرب وفيها توَلَّى أحد وُجهائها منصِب الحاكم العام بالشَّمال بتعيينٍ مِن السُّلطان سيدي (محمد بن عبد الله) وذلكَ سنة 1766، وورَد اسمُه (الحاج محمد بن عبد الرحمان عاشِر) عند المؤرِّخ الراحل (محمد بن عزّوز حكيم) في كتابه “كَشّاف أسماء عائلات تِطوان”. وقَبل ذلك، استقرَّ آل عاشِرٍ في عُدوة سَلَا، وفي مدينة فاس، التي ستَشْهد ميلادَ نابغة العائلة، وفَخُْر مغرب السَّعديين وكلُّ القرون الـموالية؛ عبد الواحد بن عاشِر. كان مَولِدُ الـعلّامة النّجيب عبد الواحد بن عاشر في مدينة فاس سنة 1582، ثلاث سنوات بعد الانتصار التاريخي الكبير للمغرِب في معركة وادي المخازن، وفي الجوِّ السياسي والحضاري الـمتوازِي مع هيبة الانتصار، تَربّى الفتى عبد الواحد وشَبَّ، بينَ الكُتّاب ومحيط الأسرة ومجال فاس وأحوازها. حفِظ القرآن الكريم على يد الشيخ (أحمد بن عثمان اللّمطي)، وبالقراءات السَّبْع على يد الشيخ (القصّار) أكبر وأشهر عالم قراءات في عَصْرِه، كما دَرس العلوم القرآنية على بعض الأشياخ في مدينة فاس، وخارِجها. بَرَع الطّالب عبد الواحد في علوم القراءات، والرَّسم القرآني، ثم انتقل لدراسة النَّــحو والعَروض، والفقه، وعلم المنطق، والتّوقيت، والحديث والتفسير اللّذان أخذَهما عن عالِم فاس وقتئذٍ (محمد بن أبي بكر الدِّلائي) في الزّاوية البَكْـرية. وكَسائر العلماء الشَّغوفين بالمعارف والقائلين للعلوم هل مِن مَزيد؛ ارتَحل عن بلدهِ صَوْبَ المشرِق، جامِعاً بينَ تَلقِّي العِلم على يدِ العلّامة (سالم السّنهوري) والإمام (محمد بن يحيى الـعِزِّي الشافعي) والشيخ (بركات الخطّاب)، والحجّ؛ بحيث زار المدينة ومكة حاجًّا سنة 1008 هجرية. وهناك بأرض الحجاز، نهَل مِن بحرِ معارِف الشيخ (عبد الله الدّنوشري)، وابتدأ في تَدوين منظومتِه الشَّهيرة التي سيأتي الحديث عنها أدْناه. وبَعد عودته لفاس؛ جَذبه التصوّف جَذْبة تُطيِّر الصواب، فانثالَ عليه آخِذاً إياه على يدَيْ المربِّي القُطْب (أحمد التِّـجِـيبي)، والشيخ العارف باللهِ (الطيبّ الوزاني). كانَ للعلوم المتنوِّعة التي الْــتَقَت في عَلَمِنا ابن عاشِر أثَرٌ كبيرٌ في مزاولتهِ لمهامّ التدريس في علوم شتّى، كالحديث وعلوم القراءات والرَّسم الـمُصْحَفي الذي كان يُجيده إجادةَ البارعين، والنّحو وعلم الكلام والفقه وأصوله، والفرائض وتعقيداته، والمنطق والحساب والتّوقيت، فَضْلا عنِ الـخطابة والوَعْظ. ما جَعَلَه مَعْلَمة فقهية وحديثية وقرآنية بارزة في فاس الـعالِمة. وبفضلِ هذا العطاء العِلمي؛ الْــتَفَّ حَوْله الطّلاب، وكان له تلامِذةٌ كُثُر، وتخرَّج على يديه خَلْقٌ كثير، وكان منهم أئمة ووعّاظ وقُضاةٌ وكَتَبة ماهرون أمثال (أحمد ميّارة، وعبد القادر الفاسي، ومحمد الزّوين، ومحمد الـمرغيثي، ومحمد بن سودة..). وأضرابهم ممن تلقَّوا عنه العلم في جامع القرويين العريق. وُصِف الشيخ ابن عاشِر مِن قِبَل كثيرٍ ممّن تَرجموا له واعتنَوا بسيرته، أمثال العلّامة المغربي (محمد الـحُضَيْكي) في “طَبقاته”، والمؤرِّخَيْن (أبي العباس أحمد الناصري) و(محمد بن الطيّب القادري)، والدكتور (عبد الله الترغي) في مرجعه “فهارس عُلماء المغرب منذ النّشأة إلى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة؛ منهجها، وتَطَوُّرُها وقيمتها العلمية”، والفقيه (بَدر الدِّين القرافي) في “توشيح الدّيباج وحِلية الابتهاج”، و”مَعْلمة المغرب” في الصفحتين 5837-5838؛ (وُصِفَ) بالزّهد، والوَرَعِ، والتعفّف، ومكارم الأخلاق، والتواضع للناس، ومع طُلّابه أيضا، والكدِّ في العمل، وأنَّ شَخصيته ودُروسه كانا مَحَطَّ قَبولٍ، ولا أدلَّ على ذلك؛ مِن بَقاء ذِكْره وحُضور عِلْمِه وتَدَاوُل “مَـتْنِــه” الشَّهـير بيننا إلى القرن الواحد والعشرين، وسيظلّ إلى أنْ يشاء الله، ما دام المغارِبة مرتبطون بمذهبٍ مالكٍ وعقيدةِ الأشعري وطريقة الجُنــيد، كما عبَّر عنها الشيخ عبد الواحد بن عاشر في مطالِع منظومته: في عَقْـدِ الأشْعَرِيِّ وفِـقْهِ مالكْ ** وفي طَــريقــةِ الـجُــنَــيْــدِ السّــــالِــكْ وقَد تَصَدَّر للتدريس والـمَشْيَخة والخطابَة، وشارَك في جُلّ العلوم، خصوصا علم القراءات، والرسم، والضّبط، والنحو، والإعراب، وعلم الكلام، والأصول، والفقه، والتوقيت، والتعديل، والحساب، والفرائض، والمنطق، والبيان والعروض، والطّب. إننا إزاء عالِـمٍ جليل مُشارِك في علوم متعدّدة، وهو مع هذه السَّعة في المعارف، والاشتغال بتحصيل قُوتِ يومه وعِياله، والقُرْبِ مِن النّاس تَعليماً وإرشاداً؛ أحْسَنَ إدارةَ الوقت، فأنتجَ مِن الكُتب النافعة ما عدَّده الـمؤرِّخون والتّراجِمة في ثلاثة عشر كتاباً، بَيْـنَ تقييداتٍ وطُرَرٍ ومنظومات، نذكر منها: “شِفاء قَلْب الـجَريح بشَرْح بُرْدة الـمَديح”، و”شَرْح مورِد الظمآن في عِلم رَسم القرآن”، و”رسالةٌ في عمل الرّبع الـمجيّب”، وهي في أصلها منظومة من ثلاثينَ بيتاً من بَحْر الرَّجَز، و”طُرَرٌ على الشّرح الصغير للتّـتائي على مُختصَر الشيخ خَليل المسمّى بجواهِر الدُّرر”، و”مُقطعات في جَمْع نظائر مهمة في الفقه والنّـحْو”، و”تقريضٌ على منظومة اليَواقيت الثَّمينة فيمَن انتمى لعالم المدينة” وهي في الأصل لِصاحِبها الفقيه (عبد الواحد الأنصاري)، وغِيرها من الاجتهادات العلمية والإفادات الفقهية واللغوية التي خلَّفها لنا العلّامة ابن عاشر. غيرَ أنَّ أهمَّ إرْثِ ابن عاشِرٍ الفِقهي الذي بَـزَّ به علماء الغرب الإسلامي، منظومته المشهورة باسم “الـمُرْشِد الـمُعين على الضَّـروري مِن علوم الدِّين”، وهي مَنظومة شِعْرية مَسبوكة مُحكمَة إحكاماً فِقْـهِـيًا مُتقَناً، كَـتَبَ الله لها القَبول ودوامَ الحُضورٍ قرناً على صدْرٍ قَرْنٍ، وعَمَّ نَفْعُها، وكاد لا يخلو بيتٌ مِن بيوت المغاربة مِن وجودِ حافِظٍ أو حافِظَةٍ لمنظومة ابن عاشر، وقيَّض الله لها شُرّاحاً كُثُر منذ القرن السابع عشر، لأنها مُوجَّهة إلى الـمُسلم (ة)، ومُرشِدة له صوب علوم دينه، التي لا يُعْذَر أحَدٌ بِتَــركها. دَخل العلّامة ابن عاشِر بهذه المنظومة التاريخ الفقهي والدِّيني للمغرب من بابه الواسع، وجَعَلت منه إحدى القامات الكبرى في عِلْم الكلام الأشعري، وعَدَّه المغاربة على مَرّ العصورِ سَنداً “في سِلسلة الـفِقه الـمالكي إلى النبي صلّى الله عليه وسلَّم”، (/انظر: الــمَعْلَمَة، ص: 5838)، واحْتَجَّ بأقواله في الـمذهبِ المالكي نَفَرٌ مِن العلماء والـفقهاء، وتنافَست المساجِد في قراءة وخَتْمِ ما أضحى يُعرَف بــ”مَـتْن ابن عاشِر”. اعتُمِدَت المنظومَة رسميا في التّدريس بكلٍّ مِن الأزهر والزيتونة والقرويين، كُبرى المؤسّسات العلمية في الشّمال الإفريقي، وتلَقّاها العامة والخاصة بالقَبول في الجزائر ومصر والسودان. وفي عصر المطبعة، تلقَّفتها مطابِع سوريا ومصر والمغرب بالطبع والنّشر والتّوزيع، وكَثُرَ شُرّاحُ متْن ابن عاشر مِن الأقدمين والـمُحدَثِين، نذكُر من ذلك: “شَرْح مَتن ابن عاشر في الفقه” للشيخ يحيى المدغري؛ “الحَبل الـمَتين على نَظْم المُرْشِد المُعين” لصاحبه محمد بن المبارك الـفَتْحي؛ “العُرف النّاشر في شرح وأدِلَّة فقه مَتْن ابن عاشر” للشيخ المختار بن العربي الشنقيطي؛ “المنهج الـمُبين في شرح الـمُرشِد الـمُعين على الضّروري من علوم الدين”، لمؤلِّفِهِ خالد قويدري؛ “الفِقه مِن مَنظومة الـمُرْشِد المعين لابن عاشر بشرْح ابن ميّارة الفاسي”، كتاب مُعتمَد في التدريس بمدارس التعليم العتيق التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أساسا في السنة الخامسة من التّعليم الابتدائي. وبِـتَطَوُّر وسائل التَّواصل السّمعي-البصري، وعَودة الكراسي العلمية لمساجد المغرب الراهن؛ بادَرَ بشَرْح مَتن ابن عاشرٍ كلٌّ مِن الدكتور الأديب خرِّيج القرويين (محمد الروكي)، والأستاذ الداعية (عصام البشير المراكشي)، والشّيخ الـعلّامة الموسوعي (سعيد الـكمَلِي)، والشيخ (العَوني بن محمد الزّاوية)، عضو المجلس المحلي لعمالة الصخيرات – تمارة الذي تفرَّد بشرحٍ مُبسَّطٍ تفصيلي للمنظومة في برنامجٍ خاصٍّ بَثَّته قناة محمد السادس للقرآن الكريم. ومَا تزال مساجِد البـلاد تخصِّص حلقاتٍ لتدارُس منظومة “الـمُرشِد الـمُعين” يؤطِّرها وُعّاظ وواعظات وعلماء تابعون للمجالس العلمية الـمحلية، ولا سيما في شهر رمضان الـفضيل، لتعليم الناس أحكامَ دينهم، نظراً لاشتِمالِ الـمنظومة على موضوع العقيدة، والطّهارة، وفرائض الوضوء وسننه ونَواقِضه، والصلاة، وأحكام الـجُمُعة، والزّكاة، والصِّيام، والحجّ، ومبادئ التصوّف..، ولتوجُّهِها للعامة والأميين والبُسطاء والنّخبة على السّواء، وهذا ما أعلن عنه كاتِبها في مطالِعها قائلاً: وبَــعْدُ فــالعَـوْنُ من اللهِ الـمجيدْ ** في نَظْـــمٍ أبـْـــياتٍ للأمِّـــي تُـــفيدْ والنّاظم رحمه الله كَتَبها مُخلِصاً ولا شك، قاصداً بها وَجه الله وتعليمَ الناس، في (314) بَـيتاً من بَحْرِ الرّجَــز، مُوجِزاً تارةً ومفصِّلاً أخرى، وقائلاً للقارئ في شَكلِ اعتذار: ذا القَـدْرُ نَظْماً لا يَفِي بالغايَهْ ** وفي الــذي ذَكــَرْتُــــهُ كِـــفايـهْ سَــمَّــــيْــتُهُ بـــالـمُرشِدِ الـمُعينِ ** على الضُّروري من علومِ الدّينِ فَـأسأل النَّفع بها على الدّوامْ ** مِن رَبِّنا بِـجاهِ سيِّدِ الأنامْ إنّها منظومةٌ جَمَعَت الضَّروري من علوم الدين، ودلَّت على سَعةِ مَعارِفِ رَجُلٍ ظفِرَ بالعيش في زمن انتعاش الحركة العلمية وإشعاع المغرب السياسي والحضاري على عهد دولة السعديين، دعا فيها إلى التَّحَقُّق بالمعرفة في الإيمان، والإيمان عن علم ومعرفة، وَشَنَّع على التقليد في التربية والتزكية وفي تَلقِّي العقيدة والإيمان. وَتوفِيَ إلى رحمة اللهِ إثْـرَ مرَضٍ مفاجئ أَلَمَّ به، وذلكَ يوم الخميس 3 يوليوز 1631. ودُفِن بمُصلَّى باب الفتوح بمدينة فاس.