عندما فكر أحمد المنصور الذهبي في غزو القارة الأمريكية

7

المغرب – افريقيا برس. خلال منتصف القرن الخامس عشر انهارت دولة بنو مرين، بعدما أصبحت عاجزة عن حماية السواحل المغربية، وقام حكم الوطاسيين، سنة 1462، واستملا حكمهم إلى حدود سنة 1554، بعدما قاد السعديون حركة مقاومة ضدهم، وأصبحت الدولة المغربية خلال فترة حكم السعديين دولة مهابة الجوانب، خصوصا بعد تمكنهم من القضاء على التواجد البرتغالي في المغرب، بعد انتصارهم في معركة وادي المخازن التي دارت سنة 1578 للميلاد.

وبعد وفاة السلطان عبد الملك السعدي في ساحة معركة واد المخازن، بويع أحمد المنصور الذهبي سلطانا على البلاد، ويعتبر عهده الذي دام لقرابة الثلاثة عقود أوهى فترات الدولة السعدية رخاء وعلما وقوة وجاها.

وبعدما حكم قبضته على المغرب، وجد السلطان السعدي الجديد، نفسه محاصرا من الشرق بالدولة العثمانية، ومن الشمال بمملكة إسبانيا، ففكر في كسر هذا الطوق بالاتجاه جنوبا باتجاه الصحراء، فغزا السودان الغربي.

وجاء في كتاب، دائرة معارف القرن العشرين، لصاحبه محمد فريد وجدي “وقد استطاع المنصور الاستيلاءَ على واحتي تيكورارين وتوات من أرض الصحراء سنة 990 هـ، فاشتهر أمره في السودان، فأرسل إليه سلطان برنو بهدية وبايعَه، ثم تطلَّعَت نفسه لفتح السودان الغربي، فجهَّز لذلك جيشًا تحت قيادة جؤذر باشا، فمرت جيوشه بتنانسيف ثم بدَرعة، ثم قصَدوا تميكتو ثم إلى كاغو، وكان ملكها يُدعى إسحاق اسكيه، فبرز لقتالهم، وصبر السودانيُّون على نار المدافع المغربية، ولكن جيوش المنصور استطاعت آخر الأمر أن تستولي على بلاد السودان الغربي، وتعلن تبعيَّتَه لدولة الأشراف السعديين في مراكش”.

وفي نهاية العقد الأخير من القرن السادس عشر، وجد المنصور الذهبي نفسه إمبراطورا يحكم أراضي واسعة بغربي أفريقيا، تضم من بين مناطقها بلاد السودان الغنيَّة بذهبها وتوابلها ورقيقها، والتي كانت من أهم الأسواق التجارية في العالم.

واعتمد السعديون على ذهب السودان من أجل تجهيز جيشهم الذي صار واحدا من أقوى الجيوش، ما جعل طموحات المنصور الذهبي تزداد مع مرور الأيام، وبدأ يفكر في جعل إمبراطوريته التي حكمت أراضي واسعة (المغرب وجزء من الجزائر ومالي وموريتانيا وغانا) واحدة من أقوى الإمبراطوريات على وجه الأرض.

غزو العالم الجديد

بدأ السلطان يفكر في إضافة أراض جديدة لإمبراطوريته المترامية الأطراف، ووضع أمام عينيه غزو العالم الجديد (القارة الأمريكية)، إلا أنه كان يعلم أن قوة إمبراطوريته لن تسعفه في الوصول إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، ففكر في مشاركة خطته مع حليفته ملكة إنجلترا، التي كان يجمعها به العداء المشترك لإسبانيا.

وقام السلطان المغربي بإرسال دبلوماسي مغربي يدعى عبد الواحد عانون إلى لندن في مهمة سياسة من أجل تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن رحلته إلى لندن كانت تخفي مهمة أخرى، حيث بعث معه رسالة إلى الملكة إليزابيث الأولى، تحدث لها فيها عن طموحاتها بهزم إسبانيا وغزو القارة الأمريكية.

خلال الزيارة التي قام بها السفير المغربي إلى لندن (…) اقترح المنصور بشكل سري على إليزابيث الانضمام إلى “عملية مشتركة من أجل الاستلاء على الممتلكات الاسبانية في القارة الأمريكية”، حسب ما أورده كتاب “بريطانيا والعالم الإسلامي، 1558 -1713” للكاتبين جيرالد ماكلين ونبيل مطر.

وقال المنصور في رسالته إلى الملكة إليزابيث، إن خططه العسكرية في غزو العالم الجديد تعتمد بالأساس على مساعدة إنجلترا له، مشيرا إلى أنه “لن يشرع في تنفيذ هذه الخطة العسكرية إلا في حالة ما إذا كان الهدف من وراءها ليس محاربة وهزم إسبانيا فقط ولكن استعمار العالم الجديد أيضا”، وأضاف أنه يريد أن “يستوطن المغاربة القارة الأمريكية” حسب الكتاب نفسه.

على الرغم من أن رسالة المنصور لم تكن واضحة، إلا السلطان المغربي المعروف بحنكته في القيادة العسكرية، كان يعلم جيدا ثروات الأراضي الأمريكية والمنافع التي يمكن أن يجنيها المغرب من ورائها.

وبحسب كتاب “أحمد المنصور: بدايات المغرب الحديث” للكاتب مرسيدس غارسيا أرينال، فقد كان المنصور على دراية بأن “الأرض الأمريكية فيها مستقبل الأمم القوية”، وأشار الكاتب إلى أن هوس المنصور بالقارة الأمريكية أبان على “قدرته السياسية الكبيرة” و “مستوى ذكاءه غير العادي” و “قدرته على استشراف المستقبل”.

وأوضح الكاتب نفسه أنه على الرغم من أن مخطط المنصور العسكري، كان ذكيا إلا أنه المغربي “كان بحاجة للمزيد من المال لدخول مجموعة الدول المهتمة بالاستكشاف والغزو”.

وذكر الكاتبان جيرالد ماكلين ونبيل مطر أن هذا ما حدث بالضبط مع الملكة إليزابيث، التي “بدت غير مهتمة ببناء إمبراطورية واسعة في الخارج”، حيث أدركت أن غزو العالم الجديد سيحتاج إلى “قوات مدربة تدريبا جيدا لمساعدتها في مواجهة إسبانيا”.

ولم تستجب الملكة إيليزابيث لرسالة المنصور، وذهب مخططه في مد إمبراطورية لتشمل القارة الأمريكية أدراج الرياح، حيث اقتنع أنه لن يستطيع غزو العالم الجديد.

وأدرك السلطان المغربي حينها أنه “عليه أن يتقرب من عدوه إسبانيا”، ففي أكتوبر من سنة 1602، وقع اتفاقية تعاون عسكري مع جارته الشمالية من أجل حمايته من الإمبراطورية العثمانية.

وعلى الرغم من أن الملكة إليزابيث لم توافق على خطط المنصور بشأن أمريكا، إلا أنها بعثت له رسالة قبل وفاتها سنة 1603، ووصفته فيها بأنه أخ لها.