“الدَّين العام والإمبريالية في المغرب”: الاقتصاد لفهم التاريخ

4

في كتابه “الدَّين العام والإمبريالية في المغرب (1856 – 1956)”، الصادر حديثاً عن “دار مفترق الطرق”، يتناول الباحث الفرنسي آدم باربي ظاهرة الإمبريالية مِن زاوية المديونية التي استُخدمت لفرض الهيمنة الإمبريالية الغربية على عددٍ من دول الجنوب؛ ومن بينها المغرب.

يتّخذ باربي من الاقتصاد، بما فيه من أرقام وجداول ورسوم بيانية، وسيلةً لفهم التاريخ، وهو ما يُعبّر عنه بقوله: “يمكن فهم فترة حديثةٍ من التاريخ بشكل أفضل بفضل الأدوات والمفاهيم الاقتصادية المعاصرة”.

يعود العمل إلى “معاهدة فاس” عام 1912 التي وضعت المغرب تحت “الحماية” الفرنسية، موضّحاً كيف عجّلت الديون المتراكمة في فرض “الحماية” عليه، كما يُضيء الكتاب المرفق بجداول ورسوم بيانية على الآليات الاقتصادية والدبلوماسية الكامنة وراء هذه الضائقة المالية، معتبراً أنّ السياسة الإمبريالية في مجال الديون كانت أداةً للتوسُّع الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر.

يتوزّع الكتاب بين خمسة فصول؛ هي: “مسألة الإمبريالية الاقتصادية والمغرب في القرن التاسع عشر”، و”المغرب في وجه أوروبا في الفترة من 1856 إلى 1900″، و”الدَّين في عهد الحماية من 1900 إلى 1912″، و”مديونية المغرب في عهد الاستعمار”، و”بنك باريس وهولندا في المغرب”.

الدين العام والإمبريالية2 في المغرب – القسم الثقافي
يتناول الفصل الأول مفهوم الإمبريالية من خلال الديون التي كانت متجذّرةً خلال القرن التاسع عشر، وكيف استُخدم الدين كأداة للاحتلال، معتبراً أنه لم يكن من قبيل المصادرة ظهور مفهوم الإمبريالية في تلك الفترة.

ويتطرّق الفصل الثاني بشيء من التفصيل إلى تدهور الوضع الاقتصادي في المغرب ابتداءً من عام 1856؛ حيثُ وجدت البلاد نفسها أمام واقعٍ يتمثّل في دفع تعويضاتٍ عن الحروب للأوروبيّين من جهة، والاستفادة من قروض من جهةٍ ثانية، ما أسهم في إضعاف المغرب الذي لم تثمر المحاولات الإصلاحية لسلاطينه، المتأخّرة والمحتشمة، في تحقيق أيّة نتائج إيجابية.

ويتتبّع الفصل الثالث القروض المالية للمغرب بسبب ضائقتها المالية، بدءاً من عام 1904 ثم 1910، وصولاً إلى فرض “الحماية” الفرنسية عليه سنة 1912.

استغلّت فرنسا القروض لوضع يدها على المؤسّسات السيادية المغربية

وفي الفصل الرابع، يوضّح كيف استغلّت فرنسا القروض لوضع يدها على المؤسّسات السيادية المغربية؛ حيث أدّى قرض عام 1904 إلى تشكيل إدارة فرنسية في المغرب مسؤولة عن تحصيل الإيرادات الجمركية اللازمة لتسديد القرض، وبعد “مؤتمر الجزيرة الخضراء” في 1906، جرى إنشاء بنك حكومي يملكه دائنو المغرب.

ويوضّح المؤلّف في الفصل الخامس كيف تم فرض الهيمنة الإمبريالية على المغرب من خلال الدَّين الذي شكّل عنصراً هيكلياً في الاقتصاد الاستعماري للمغرب، وأداة رئيسية للاستعمار الاقتصادي لفرض التبعية السياسية.

وفي الفصل السادس والأخير، يستكشف المؤلّف إعادة تشكيل القوى الاقتصادية في الاقتصاد المغربي خلال فترة الحماية بالاعتماد على أزمة الديون، مضيئاً على الدور الذي لعبته مؤسّسات أجنبية في ذلك أبرزها “بنك باريس”.

يُذكَر أن آدم باربي درس في مدرسة باريس للاقتصاد، وتابع في جامعة السوربون دراساته العليا حيث حصل على ثلاث درجات ماجستير في الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع.