«دركي الرشوة» ينال قانونه أخيرا

3

بعد مرور عام ونصف على تعيين بشير الراشدي، رئيسا للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، صادق مجلس الحكومة المنعقد يوم الخميس 11 يونيو على مشروع قانون جديد يوسع من صلاحيات هذه الهيئة في مجال التحقيق والتحري، في قضايا محاربة الفساد. فما هي خلفيات هذه التعديل الجديد، في وقت لم يمر على المصادقة على قانون الهيئة سوى بضع سنين، بل إنه لم ينفذ أصلا؟ وما مضمون النص الجديد؟

الراشدي طلب تعديل القانون

خضع القانون المتعلق بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة لتعديلات في الولاية التشريعية السابقة، وصدر في الجريدة الرسمية في يونيو 2015، لكنه لم يطبق بسبب انتظار تعيين الرئيس الجديد للهيئة، الذي لم يتم إلا في دجنبر 2018. وخلال التعيين تشير مصادر مقربة من الحكومة إلى أن بشير الراشدي، التمس من الملك تعديل قانون الهيئة، لتوسيع صلاحياتها حتى تتمكن من القيام بدورها، فوافق الملك وأصدر تعليماته بتعديل القانون. وبذلك لم يتم تعيين بقية أعضاء الهيئة، ولم يتم استكمال هيكلتها في انتظار النص الجديد، بحيث اكتفت في أنشطتها خلال السنة ونصف الماضية بتنظيم بعض اللقاءات.

وفعلا، تولى رئيس الهيئة إعداد مسودة مشروع القانون، وأحالها على الحكومة التي، وبعد مشاورات لأشهر على مستوى الأمانة العامة للحكومة والقطاعات الوزارية، تمكنت من المصادقة على النص الجديد، الذي يحمل رقم 46.19. وجاء في بلاغ مجلس الحكومة أن المصادقة جرت “مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة بشأنه”. وعلمت “أخبار اليوم” أن الملاحظات التي أثيرت “لا تؤثر على جوهر النص”، الذي سيحال قريبا على البرلمان.

التحري والإحالة 
على النيابة العامة

حسب بشير الراشدي، فإن النص الذي عُرض على الحكومة، ليس فقط تعديلات للنص السابق، وإنما بمثابة “نسخ كلي له”، مشيرا في اتصال مع “أخبار اليوم”، إلى أنه جرى توسيع صلاحيات الهيئة، بما يمكنها من القيام بدورها في مجال التحري والإحالة. وفي انتظار الكشف عن نسخة النص الجديد، أشار بلاغ للحكومة إلى أنه جرى توسيع مفهوم الفساد الذي تتحرى بشأنه الهيئة: فهناك أفعال الفساد التي تشكل جرائم بطبيعتها، وعناصرها الجُرمية واضحة، وتتولى الهيئة إحالتها إلى النيابة العامة المختصة. وهناك الأفعال التي تشكل مخالفات إدارية ومالية تكتسي طابعا خاصا، دون أن ترقى إلى درجة تكييفها جرائم قائمة بذاتها، وهذه الأفعال، أيضا، ستكون من صلاحيات الهيئة من أجل إجراء أبحاث وتحريات بشأنها وإعداد تقارير تحيلها على السلطات والهيئات المختصة، بتحريك المتابعة التأديبية أو الجنائية حسب الحالة.

محاضر ذات حجية قانونية

بمقتضى المشروع الجديد، فإن محاضر التحريات التي ينجزها موظفو الهيئة المكلفين أصبحت تكتسي صبغة قانونية، كما أصبح لهؤلاء الموظفين وضع قانوني وصلاحيات محددة، وهم يؤدون اليمين القانونية أمام محكمة الاستئناف بالرباط، ويكلفون بعمليات البحث والتحري من قبل رئيس الهيئة وتحت سلطته، ويحررون محاضر بالعمليات المنجزة من قبلهم، وهي محاضر يوثق بها إلى أن يثبت ما يخالفها. وعلمت “أخبار اليوم”، أن منح الصفة القانونية لمحاضر الهيئة وصلاحياتها في التحريات والإحالة مباشرة على القضاء، كان موضوع جدل داخل الحكومة، بسبب تداخل هذه الصلاحيات مع صلاحيات القضاء، والمجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن الهواجس من إثارة خوف لدى المسؤولين الإداريين.

وينص المشروع، كذلك، على تطبيق عقوبات تأديبية وجنائية في حق الأشخاص الذين يقومون بعرقلة عمل الهيئة، بامتناعهم عن الاستجابة لطلباتها دون مبرر قانوني.

ومن حيث أجهزة الهيئة واختصاصاتها، فقد جرت مراجعتها، بإحداث لجنة دائمة لدى مجلس الهيئة، تتكون من الرئيس وثلاثة نواب له معينين من قبل مجلسها، تكلف بدراسة ملفات القضايا المتعلقة بحالات الفساد المعروضة، واتخاذ القرارات المتعلقة بها باسم المجلس، وذلك بإحالة استنتاجاتها وتوصياتها إلى الجهات المعنية بتحريك مسطرة المتابعات الإدارية أو الجنائية، مع اطلاع رئيس الهيئة للمجلس على المعطيات المتعلقة بجميع الملفات التي عرضت على الهيئة أو أحيلت على اللجنة الدائمة. وبمقتضى ذلك، فقد جرى التخلي عن تشكيل مجلس الهيئة من 12 عضوا كلهم متفرغون، والاكتفاء فقط، بالرئيس وثلاثة نواب متفرغين.

وخول النص الجديد لرئيس الهيئة “إعداد كل الآليات اللازمة لتمكين الهيئة من ممارسة اختصاصاتها”، من قبيل إعداد جميع مشاريع القرارات المزمع عرضها على مجلس الهيئة وإعداد مشاريع النظام الداخلي للهيئة والنظام الخاص بالصفقات والنظام الأساسي الخاص بالمواد البشرية العاملة بالهيئة وتقريرها السنوي، وغيرها من النصوص، على أن تعرض هذه النصوص على مصادقة مجلس الهيئة للتداول في شأنها.

في انتظار مصادقة البرلمان

وينتظر بعد مصادقة مجلس الحكومة على هذا النص أن يتم إحالته على البرلمان، ودعا رئيس الحكومة سعد الدين العثماني “الجميع” إلى التعاون في المراحل المقبلة للمصادقة على هذا النص في البرلمان، “لتتمكن الهيئة من أن تصبح أداة أقوى مما كانت عليه في محاربة الفساد ومحاربة الرشوة”.

واعتبر العثماني أن هذا النص يستهدف تعزيز موقع الهيئة باعتبارها مؤسسة وطنية للحكامة تضطلع بمهامها، في إطار التعاون والتكامل والتنسيق المؤسسي والوظيفي، مع السلطات والمؤسسات والهيئات الأخرى المعتبرة ضمن المنظومة الوطنية المعنية بمكافحة الفساد.

كما يندرج المشروع في سياق تأهيل الهيئة للنهوض بالمهام الملقاة على عاتقها، سواء في نشر قيم النزاهة والشفافية والوقاية من الرشوة، أو في مجال الإسهام في مكافحة الفساد.