ولد الشدو يكتب : دفاعا عن الشرعية

5

وثالثا، النظام الداخلي للجمعية الوطنية نظام بيني وليس قانونا نظاميا كما يزعم (فالقانون النظامي هو قانون مكتوب تضعه السلطات التشريعية المختصة). ولا يمكن أن يَسْتخلِص من وجوب تقديمه إلى المجلس الدستوري قبل تنفيذه للبت في دستوريته، أنه قانون نظامي، وأنه مواز للقانون النظامي، وأنه جزء من الدستور ومكمل له، إلا من أعيته الحيلة والحجة. وإليكم نص الفقرة المستشهد بها من المادة 86 من الدستور على تلك التقولات لتحكموا بأنفسكم: “تقدم للمجلس الدستوري القوانين النظامية قبل إصدارها، والنظام الداخلي للجمعية الوطنية قبل تنفيذه، وذلك للبت في دستوريتها”.

وهنا نلاحظ:

أ. أن القوانين النظامية سميت في المادة “القوانين النظامية” بينما سمي النظام الداخلي للجمعية الوطنية “النظام الداخلي للجمعية الوطنية”. وشتان ما بين اليزيدين: قانون نظامي يسري فور صدوره على كافة مرافق الحياة في الدولة، ونظام داخلي بيني لا يبدأ تنفيذه بصدوره، وإنما بعد عرضه على المجلس الدستوري والنظر في موافقته لأحكام الدستور.

ب. أن الواو هنا واو جمع وعطف فقط، ولا ترتب الندية ووحدة طبيعة المجموع بحال من الأحوال.

ج. أن القانون يعرض وجوبا على المجلس قبل صدوره، بينما يعرض عليه النظام الداخلي بعد صدوره وقبل تنفيذه لاختلاف طبيعتيهما ومجاليهما.

د. أن قول المجلس الدستوري بدستورية النظام الداخلي لا يجعله يرقى إلى قانون نظامي، ولا يجعله جزءا من الدستور؛ بل هو رقابة هدفها أن لا يتضمن ترتيبات مخالفة للدستور، وقد يتضمنها رغم إجازة المجلس له. وهذا ما “يخول المجلس الدستوري اختصاص التعهد في شأن دعوى بعدم الدستورية” المذكور في الفقرة الأخيرة من المادة نفسها. وبهذا العرض المفصل يكون جميع ما قيل في المقابلة عن قرارات المجلس الدستوري من حجية الشيء المقضي به، وقوتها وعدم قابليتها للطعن ونهائيتها، عديم الجدوى، لأنه لا يرتب شيئا في هذا المجال. كما يكون كذلك جميع ما ورد في الأساس 3 لغوا وتكرارا لنفس الحجج التي تم الرد عليها آنفا (المادة 86 من الدستور … والقوانين النظامية والنظام الداخلي للجمعية الوطنية وقوة ونهائية وعدم قابلة قرارات المجلس الدستوري للطعن).

3. تم الرد على هذا الأساس من خلال الرد على الأساس 2 لوحدة موضوعهما.

4. لعل الأساس الرابع هو الأقوى حجة لنفيه عمن يقول بعدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية العلم والتمدن: “من يطعن في اللجنة البرلمانية وكأنه لا علم له لا بالنظام الداخلي ولا بقوة النظام الداخلي ولا بمكانة القوانين النظامية ومكانة النظام الداخلي، وكأنه في عالم آخر ليس موريتانيا وليس العالم ككل المعروف باللجان البرلمانية”. لكن، أليس من شيم الفروسية احترام الخصم، والتحلي ولو بقليل من التواضع.. ومعرفة أن فوق كل ذي علم عليم؟ ولله العباس بن مرداس حين يقول في مدح خصمه:

ولم أر مثل الحي حيا مصبحا ** ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا

أكر وأحمى للحقيقة منهمُ ** وأضرب منا بالسيوف القلانسا.

بقيت حجة لزملائنا المجتهدين في البحث في التشريعات الأجنبية عما يؤسسون به مسؤولية جنائية لرئيس الجمهورية السابق بغية تحقيق مكاسب سياسية؛ وهذه الحجة هي وجود لجان تحقيق برلمانية في فرنسا. وهذا صحيح. وسببه أن التعديل الدستوري الذي جرى في فرنسا سنة 2007 قد نص على إنشاء لجان تحقيق برلمانية؛ وذلك في مادته 51 – 2 جديدة. التي تقول ما يلي: “لممارسة مهمات الرقابة والتقييم المعلنة في الفقرة 1 من المادة 24 يمكن إنشاء لجان تحقيق برلمانية في كل غرفة برلمانية لتلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون. يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها. طريقة إنشائها يحددها النظام الداخلي لكل غرفة”.

والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من ذلك هي:

– أن هذا التعديل الدستوري الذي سن إنشاء لجان تحقيق برلمانية وحدد قواعد تنظيمها وتسييرها، قد جرى في فرنسا ولم يجر في موريتانيا.

– أن لجان التحقيق البرلمانية تلك أنشئت بواسطة تعديل دستوري نص عليها في المادة 51- 2 جديدة من الدستور، ولم تنشأ بقانون نظامي ولا بمرسوم ولا بنظام داخلي. لأن عملها يدخل في كنه الدستور – ميثاق الأمة، وتنظيم العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية!

أن المادة 51 – 2 جديدة التي أنشأتها، لم تنشها فحسب وتتركها تعث في الأرض فسادا كما جرى عندنا، من فراغ! بل حددت مهمتها في “تلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون”. ونصت على أنها “يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها”. ولم تترك للنظام الداخلي لكلا الغرفتين سوى طريقة إنشائها.

ثانيا: حول عمل لجنة التحقيق البرلمانية

يتبع إن شاء الله

الاستاذ: محمدا ولد الشدو