ارتدادات تونسية للتحولات في ليبيا

8

كان يقال في مرحلة النفوذ السوفييتي: “حين تمطر في موسكو يفتح سكان بقية الدول الاشتراكية مظلّاتهم”، وذلك استعداداً لتقبّل التداعيات المحتملة. يبدو أن هذا التشبيه الرمزي ينطبق اليوم على تأثر الحياة السياسية التونسية وتفاعلها المباشر مع ما يجري على الساحة الليبية. وقد تأكد ذلك في الأيام الأخيرة مع انقلاب موازين القوى العسكرية لمصلحة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً. فمنذ أن بدأت مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالتراجع بسبب الهجوم المضاد الذي شنّته الحكومة في طرابلس، حتى توتّر الوضع في تونس واشتعلت المعركة بين العائلات السياسية المتصارعة على الحكم، في محاولة توظيف ما يجري على الساحة الليبية، كل منها لمصلحتها.

سارعت حركة “النهضة” من خلال رئيسها راشد الغنوشي إلى التعبير عن ارتياحها لسقوط قاعدة الوطية القريبة من الحدود التونسية في أيدي حكومة طرابلس، وهنأت رئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، مع أن أدبيات السياسة الخارجية محصورة في تونس برئيس الجمهورية بحسب الدستور. لم يكن خافياً أن التونسيين، ومن بينهم الإسلاميون، يتابعون لحظة بلحظة تطورات الحرب الدائرة منذ سنوات في ليبيا، تحديداً بعد أن أصبحت مليشيات حفتر على قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على وسط العاصمة. فقادة الحركة يعتقدون أن من شأن انتصار القوات الموالية للشرق الليبي أن ينعكس مباشرة وبشكل خطير على الأوضاع التونسية، وقد يترتب عنه الشروع في تنفيذ خطة إقليمية متعددة الوسائل والمستويات من أجل تحجيم “النهضة” والانقلاب عليها ميدانياً ومؤسساتياً، بالإضافة إلى توفير فرصة نادرة للجماعات المسلحة لتهديد الأمن القومي التونسي.

في المقابل، كانت الأطراف المحلية المناهضة للإسلاميين تنتظر لحظة الانتصار لمليشيات حفتر وتوظيفها في معركتها السياسية ضد “النهضة” بعد أن عجزت عن التغلب عليها انتخابياً. وعندما تراجع نفوذ هذا الأخير، استغلت هذه الأطراف ما تعتبره خطأ الغنوشي في اتصاله بالسراج لتشنّ حملة قوية عليه لمحاسبته والدفع نحو إبعاده عن رئاسة البرلمان، وإجباره على الاعتذار أو التزام عدم التدخل في صلاحيات رئيس الجمهورية.وذهب البعض نحو القيام باعتصام أمام البرلمان ضد الغنوشي، والمطالبة بتعديل الدستور ومراجعة القانون الانتخابي وسحب الثقة من رئيس المجلس.

في هذا المنعطف بالذات، تغيرت موازين القوى داخل ليبيا، فخسر حفتر عدة مدن استراتيجية كانت تحت سيطرته. ولم تقف خسارته على الصعيد العسكري، بل اهتزّ وضعه السياسي إقليمياً ودولياً أيضاً. وبدأت بعض الدول الداعمة له بمراجعة حساباتها وتشكك في مدى قدرته على أن يكون رجل المرحلة في ليبيا اليوم وفي المستقبل.

بعدها، حصل ما لم يكن متوقعاً، إذ غيّر التحرك العسكري الذي لجأت إليه روسيا جزءاً مهماً من المعادلة. فعلى الرغم من أن الطيران الروسي لم يكن له تأثير كبير على الصعيد الميداني، إلا أنه أثار مخاوف الولايات المتحدة، ودفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الاحتجاج وإشعار روسيا بأنها تجاوزت الخطوط الحمر، وهددت الأمن الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي. وأثارت المجازفة الروسية قلق عدداً من الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وفرنسا التي بدأت تعدل في موقفها من حفتر. وبذلك لم تعد تركيا معنية وحدها مباشرة بالنزاع المسلح الليبي بعد أن أضحت طرفاً فيه، بل انحازت إليها دول أوروبية عدة قد تدفع نحو رفع الغطاء عن حفتر. حتى إن ألمانيا التي حافظت على هدوئها، جددت التذكير بمبادرتها القائمة على الحل السياسي.

أعادت التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الليبية الثقة إلى حركة “النهضة”، وجعلتها تتحرك بأقل ما يمكن من الضغوط والمخاوف. ومع أنها لا تخفي علاقاتها القوية بتركيا، إلا أن الحركة ستستفيد كثيراً من التغيّر الذي طرأ على الموقف الأميركي، الذي قد يفتح الباب أمام إمكانية البحث عن بديل لحفتر، يكون مستعداً للتوقيع على تسوية سياسية تنهي الحرب، وتعيد الاستقرار إلى ليبيا. كذلك ستعمل “النهضة” على توظيف قرار “القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا” (أفريكوم) الخاص بتعميق التعاون مع تونس، تحسباً لأي تهديد عسكري قد يمثله تدخل روسيا طرفاً قوياً في النزاع الليبي. وسبق للحركة أن استخدمت هذه الورقة، في الأيام الأخيرة، لعزل خصومها ومحاولة إعادة خلط الأوراق داخل الساحة التونسية. فأصدقاء حفتر من التونسيين فاجأتهم الأحداث، وأدركوا أن الحسابات التي كانوا يراهنون عليها سابقاً قد سقطت، وأن ليبيا مقبلة على سيناريوهات جديدة. وما الجلسة الأخيرة بين الغنوشي ورئيس الجمهورية قيس سعيّد سوى خطوة في سبيل التخفيف من حالة التوتر بين الرجلين، الذي حاولت أطراف عديدة استغلاله من أجل عزل “النهضة”، وتأليب مختلف الأطراف عليها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here