ليبيا بين الحسم العسكري والجنوح إلى السلم

3

عرفت ليبيا، منذ نحو ثلاثة أشهر، على المستوى العسكري، تطورات مهمة عدّلت، بشكل كبير، موازين القوى، إذ تمكّنت القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني من بسط سيطرتها على مدن الشريط الساحلي الغربي، وقاعدة الوطية الجوية ومدينتي ترهونة وبني وليد، ومحاور جنوب طرابلس، والمناطق جنوب غريان وغربها، حتى وصلت إلى تخوم مدينة سرت، وتمكّنت أيضاً من ضرب خطوط إمداد قوات اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، القادمة من قاعدة الجفرة (650 كلم عن طرابلس).

وباستيفاء هذه المرحلة أهدافها المتمثلة، أساساً، في استرجاع كامل المنطقة الغربية، وتأمين العاصمة طرابلس من القصف الذي طاولها سنة بصواريخ غراد والمدفعية الثقيلة، أطلقت حكومة الوفاق عملية عسكرية جديدة للتقدّم شرقاً نحو مدينة سرت وما بعدها. ولم يفصّل المتحدثون باسمها في أهداف العملية ومقتضياتها وحدودها، إلا أن تصريحات لقيادات عسكرية وميدانية تفيد بأن سرت والامتدادات الجغرافية التي تليها في الجفرة والهلال النفطي قد تكون من الاستحقاقات العسكرية المؤكّدة في مقبل الأيام،

لتثبيت الانتصارات الميدانية في المنطقة الغربية، وفتح ثغراتٍ في الجبهة الاجتماعية المساندة لحفتر، وكسب أوراق ثمينة في أيّ حلحلةٍ سياسيةٍ قد تطرأ مستقبلاً، خصوصاً أن هذه المنطقة تمثل خزّاناً مهماً للنفط، فضلاً عن أهمية القواعد العسكرية التي شُيِّدت منذ عقود في هذه المنطقة (قاعدتي القرضباية والجفرة).

غير أن التصريحات اللاحقة لأطراف إقليمية وليبية ذهبت إلى أن الجفرة – سرت خطٌّ أحمر، لن يُجاوَز، على الرغم من تحشيد القوى المتقابلة. وتبدو تصريحات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الأكثر وضوحاً، وهي تصريحات كرّرها رئيس برلمان طبرق في شرق ليبيا، عقيلة صالح، مطالباً الجيش المصري بالتدخل العاجل لوضع حد للتدخل التركي، حسب اعتقاده.

وتضع الانتصارات العسكرية التي تحققت حكومة الوفاق في مواجهة تحدّيات جديدة، أهمها تأمين المناطق المسترجعة، والحيلولة دون الانسياق وراء رغبات الثأر والانتقام، وتفعيل القضاء، وتوفير الخدمات العامة، ورتق النسيج الاجتماعي الذي عرف شروخاً حادّة، تعجز الحلول العسكرية عن تجاوز آثارها، في ظل اكتشاف مقابر جماعية في ترهونة ومدن أخرى، فضلاً عن أعمال قد تشكل، لفظاعتها، جرائم حرب ستتعهدها محاكم دولية مع إدانة الأمم المتحدة لها.

سرّعت هذه التطورات العسكرية التي صبّ جلّها في مصلحة قوات حكومة الوفاق والقوى المساندة لها، المساعي الدبلوماسية المتنافسة (مبادرة القاهرة، لقاء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عقيلة صالح …، تصريحات الخارجيتين التركية والأميركية والرئاسة الفرنسية، لقاءات قادة قوة أفريكوم مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج،

زيارة وزير خارجية إيطاليا طرابلس، زيارة السراج الجزائر ولقاؤه الرئيس تبون)، وأبانت هذه عن تبايناتٍ، حادّة أحياناً، في ظل استقطابات إقليمية لم تعد خافية، تحدّدها مصالح ومواقف أيضاً مما حدث في المنطقة بعد عام 2010 عموماً إثر اندلاع الثورات العربية.

على هذا النحو، يدرك متابعو هذا المشهد المتحرّك، أكثر من أي وقت مضى، أن الملف الليبي لم يعد شأناً ليبياً خالصاً، وأن قوى إقليمية ودولية حاضرة بالتدخل العسكري والسياسي، المباشر والخفي، وأن ما يجري في ليبيا على صلةٍ بمشاريع إقليمية معلنة، يسعى بعضها إلى تحويل مخرجات الثورات العربية أدواتٍ لإعادة إنتاج منظومات الاستبداد والعسكرة، والانحراف بها إلى سيناريوهات الفشل والفوضى والاقتتال الأهلي.

سيبدو استئناف معارك جبهة سرت – الجفرة مستبعداً، وخصوصاً في ظل التعزيزات الضخمة التي قامت بها قوى حفتر، تسندها قوى مرتزقة روسية، إذ تتحدث أنباء عن أسراب طائرات حطّت في قاعدتي الجفرة والقرضباية، علاوة على عشرات أنظمة صواريخ بانتسير الروسية التي نصبت على كامل خطوط التماس.
هدأت الجبهة منذ نحو شهر،

تاركة المجال لمعارك دبلوماسية لا تقلّ شراسةً عمّا عرفته الجبهات أخيراً، في ظل موازين قوة غدت أكثر تقارباً بفضل الدعم التركي لقوات حكومة الوفاق التي قد تكون واقعةً تحت ضغط حلفائها الذين ألزموها بلجم شهية المقاتلين الراغبين في استكمال المعركة. بدأت تباينات منذ زيارة نائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، موسكو، قبل ثلاثة أسابيع، حيث بادرت أصوات محسوبة على الثوار الميدانيين إلى إدانة الرسائل التي حملها إلى السراج، ومنها الخط الأحمر سرت – الجفرة، قبل أن يعيد إعلانها عبد الفتاح السيسي.

يعوّل الجميع على الأمم المتحدة أن تحتضن العملية السياسية تحت سقف مخرجات مؤتمر برلين الذي انقلب عنها حفتر، غير أن موازين القوى الحالي الذي مالت كفته إلى حكومة طرابلس، علاوة على الملاحقات الدولية التي يمكن أن تطاول حفتر،

قد تدفع هذا المعسكر بالذات إلى القبول بالعملية السلمية التي ستعيد رسم أوزان الفرقاء وحلفائهم. لن يرضى الجميع تمام الرضى بهذه الخيارات، ولكنهم سيتنازلون تفادياً لما هو أسوأ: خسران الجميع في ظل استمرار حربٍ أهليةٍ لن يحسمها السلاح مطلقاً.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here