السيسي حين يعلن الحرب

4

تزدهر دعوات الاقتتال على أراضٍ عربية منذ مدّة. يرغب الداعي غالباً بتوفير الخراب على بلده، فيختار أرضاً أجنبية لتكون ساحة المعركة مع عدوّه الذي يعود إليه قرار القبول بالدعوة أو الاعتذار. لكن تهديد عبد الفتاح السيسي بإرسال الجيش المصري إلى ليبيا ينتمي إلى صنف نادر من إعلانات الحروب، أو الدعوات إلى الاقتتال التي يقول فيها المبادر إنه لن يشارك في الحرب التي يدعو بنفسه إليها، بدل أن يكون المدعو هو الرافض، مثلما حصل في مثل هذه الأيام قبل سبع سنوات في سورية.

آنذاك، كانت إيران، وبالتالي حزب الله أيضاً، قد حسما قرار الانخراط المطلق في الحرب السورية، وعلت صيحات الاستهجان في لبنان، فدعا حسن نصر الله الأطراف اللبنانية المعارضة له، إلى أن تقاتله في سورية.

دعوة أرفقها بابتسامة وتهديد وسبّابة مرفوعة، وضع لها صاحبها هدف تحييد لبنان عن حرب أهلية، بمعادلة لم تثر في حينها ما تستحق من الإدانة: تعالوا نخرب سورية ونقتل شعبها ونشرده… لكي نحيّد لبنان! مرت “الدعوة” من دون أن يلبيها أي طرف من اللبنانيين. نَقَل أمر العمليات الإيراني الذي ترجمه حسن نصر الله في دعوته، الساحة من لبنان إلى سورية، وبقية القصة معروفة وأبطالها يصعب إحصاؤهم ممّن وجدوا في الملعب السوري الكبير، ملاعب فرعية كثيرة تتسع لطموحات وأهداف وعقائد وأوهام كل منهم، دولاً كانوا أو جماعات أو أفراد.

كثيرون في المنطقة استساغوا تجربة تصفية الحسابات على أرض طرف ثالث، وصارت ليبيا أحد المسارح المفضلة. لكنّ للاقتتال بالوكالة شروطاً، أولها أن يكون “اللعب على المكشوف”. فلا ينفع أن يكون محور السعودية ــ الإمارات ــ مصر مموِّلاً ومسلِّحاً ومحرِّضاً في حرب أهلية ممتدة هناك، ومشارِكاً في شن الغارات الجوية، من دون أن يجاهر بهذا الواقع، فهذا من شأنه تأخير الحسم، بعض النظر عن الطرف الغانم، وهذا ينزع من التورط الكثير من معناه السياسي، لتستحيل الحرب كأنها مجرد اقتتال قبائلي مناطقي مصلحي بلا أفق إقليمي معلن بين معسكرين، وهو ما يجانب الصواب طبعاً.

استغرق الأمر سنوات لكي تحلّ النخوة على ذلك المحور، وليقتنع السيسي أخيراً بأن يستعير السبّابة من حسن نصر الله ويوجهها إلى طرف غير مصري، هو ليبي رسمياً، وتركي ضمنياً. لكن لسبب ما، يصعب التعاطي بجدية مع تهديدات السيسي.

صحيح أن الرجل المتواضع في مختلف أنواع القدرات أراد مخاطبة رجب طيب أردوغان ليقول له “تعال نتحارب في ليبيا” ونصفي حساباً مفتوحاً على غرار دعوة حسن نصر الله أعلاه، لكن في حالة هذا السيسي، ينتهي وقع الخبر مع خروج الكلمات من فمه.

لا الكاريزما تسعفه لجعلنا نتعامل مع التهديد على محمل الجد، ولا رصيده في السلطة يدعمه لترجيح تحويل كلامه إلى خريطة طريق لتدخل مصري يمحو ذكريات مستنقع عبد الناصر في اليمن، ولا ظروف الدولة المصرية تخوّله تغطية مهمة حربية خارجية بهذا الحجم.

وطبعاً، وربما قبل أي شيء آخر، من غير الوارد بالنسبة للجيش المصري أن يلتهي عن إدارة اقتصاده الهائل بحروب الصحراء في الغرب، بينما الشرق السيناوي نزيف متواصل.

فهذا نظام لا يقتل ولا يقاتل إلا في الداخل المصري، لا يستقوي إلا على المعارضين من شعبه، وحين يقتل أجنبياً، مثلما فعل مع جوليو ريجيني، يكون ذلك إما عن طريق الخطأ، أو لأن المعرفة المصرية عند ذلك الأجنبي تكون توطّدت إلى درجة تكاد تؤهله إلى شرف حمل الجنسية المصرية والموت باسمها.
مأساة عبد الفتاح السيسي في تهديده أن أحداً لا يصدقه. حتى مَن هم على شاكلة عمرو أديب ونشأت الديهي وأحمد موسى (تصوّروا!) وأشباههم لا يفعلون إلا الإيحاء بأنهم صدّقوا.

كل من هو خارج الفقاعة السيساوية يدرك أن ليس لدى حكام القاهرة إلا توسيع ممرات الأسلحة لتعبر من الحدود المصرية الغربية إلى الشرق الليبي، وزيادة الغارات الجوية المصرية، والاستثمار في رفع وتيرة تحريض القبائل الليبية. أما عن استحالة أن يفهم السيسي التدخل التركي العلني في الحرب الليبية، كدعوة إلى تفاوض سياسي جدّي ينهي دماراً لا أحد بريئاً منه، فهذا ما يختصر جانباً آخر من مأساته.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here