رسائل السجون المصرية

رسائل السجون المصرية

بقلم : خليل العناني،
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية. عمل كبير باحثين في معهد الشرق الأوسط، وباحثاً في جامعة دورهام البريطانية، وباحثاً زائراً في معهد بروكينجز.من كتبه “الإخوان المسلمون في مصر ..شيخوخة تصارع الزمن”.

 

انتشرت، على مدار الأسابيع الماضية، رسائل كتبها شباب من جماعة الإخوان المسلمين معتقلون في سجون مصرية، محكوم عليهم في قضايا مختلفة، معظمها يتعلق بالتظاهر السلمي ضد السلطة الحالية. وقد أثارت الرسائل ردود فعل مختلفة بين من تعاطف مع من كتبوها والأوضاع التي وصلوا إليها في السجون ومن شكْك فيها، وفي حقيقة أصحابها، وما ورد فيها. ولم يقتصر الأمر على رسائل الشباب، وإنما خرجت أيضا رسالة قيل إنها صدرت عن الشابات والأخوات اللاتي ينتمين للجماعة، ولكنها لم تحظ بالاهتمام نفسه، وبالأضواء نفسها التي حظيت بها رسائل الشباب.

يدور مضمون الرسائل حول مسألة واحدة، أن الأوضاع في السجون المصرية وصلت إلى مرحلة لا يمكن تحملها أو السكوت عليها، وأنه لا بد من البحث عن مخرج من المعتقلات التي تزداد فيها الأوضاع سوءاً يوماً بعد يوم، حتى وإن كان الثمن هو الخروج من جماعة الإخوان، واعتزال العمل السياسي كلياً، وذلك على نحو ما جاء في الرسالة الثانية لشباب الجماعة. وهو ما يبدو كما لو كان إعلان الاستسلام في مواجهة النظام الحالي، نتيجة عدم القدرة على تحمّل الأوضاع داخل السجون المصرية. وحسب تقارير حقوقية وقانونية عديدة، يتجاوز عدد المعتقلين السياسيين في مصر 40 ألف شخص، ينتمي معظمهم للتيار الإسلامي، خصوصا جماعة الإخوان المسلمين. ولا توجد أرقام حول أعداد الشباب المعتقلين، وإن كانوا يمثلون الأغلبية نتيجة دورهم في قيادة التظاهرات عقب انقلاب “3 يوليو” في 2013.

وكذلك هناك رسائل فردية عديدة يكتبها معتقلون ينتمون لتيارات أيديولوجية أخرى، كاليساريين والليبراليين، وكذلك المستقلين الذين لا ينتمون لأي فصيل أو تيار سياسي، يعبّرون فيها عن أوضاعهم وحياتهم داخل السجون، ويتم نشرها على بعض مواقع الإنترنت. وقد اطلّعت على بعض هذه الرسائل الشخصية، في إطار مشروع بحثي عن السجون المصرية، وجميعها تعكس مرارة الأوضاع داخل هذه السجون، وتؤشر على مدى اليأس والإحباط الذي يسيطر على أصحابها، خصوصا من شباب المعتقلين الذين ينتمون لمختلف الفصائل السياسية.

وفيما يخص رسائل شباب “الإخوان”، أو بالأحرى استغاثتهم لإنهاء مأساتهم داخل السجون المصرية، فهي ليست الأولى من نوعها، فعلى مدار العامين الأخيرين، نشرت وسائل الإعلام المصرية عدة رسائل، قيل إنها صدرت عن شباب “الإخوان” في شكل مراجعاتٍ فكرية، يتبرأون فيها من الجماعة، وأفكارها وقياداتها. ولكن هذه الرسائل لم تلق الزخم والاهتمام نفسه كما حدث مع الرسائل الجديدة أخيرا. كما راجت تقارير إخبارية عن عرض النظام الحالي ما سُميت “استمارات التوبة” التي يوقع عليها أعضاء “الإخوان”، وتتضمن التبرؤ من الجماعة، والالتزام بعدم الانخراط في أنشطتها مجدّداً، والاعتراف بشرعية النظام الحالي في مقابل الإفراج عنهم. وهو ما رفضه وقتها كثيرون من شباب الجماعة وأعضائها.

وقد تعاطت بعض قيادات الجماعة مع رسائل الشباب بقدر عالٍ من الاستخفاف وعدم الاكتراث (كما هي العادة)، بل والتشكيك فيها، وفي أصحابها. بل تبرّأ أحد القياديين المعروفين علناً من هؤلاء الشباب، واعتبرهم ليسوا إخواناً، وأن الرسالة “أمنية” صدرت عن النظام، وذلك في سقطة أخلاقية وسياسية كبيرة له ولجماعته. وبدلاً من أن يتفهم القيادي المعروف طبيعة الظروف التي يمر بها هؤلاء الشباب، ومحاولة التماس العذر عليهم، فقد اعتبرهم خارجين عن الجماعة، ولا يجب الاعتراف بهم. وهو ما أثار استهجاناً كبيراً لدى ناسٍ كثيرين، خصوصا شباب الجماعة الذين كتبوا الرسالة، وأصابهم الإحباط، بسبب شعورهم بتخلي القيادات عنهم في محنتهم، بعد أن وصلوا إلى مرحلة صعبة من القدرة على التحمل.

وباعتقادي أن المسكوت عنه في رسائل السجون المصرية أخطر مما جاء فيها. فمن جهة أولى، تعكس الرسائل حجم المعاناة والتأزم الذي يعيشه الشباب المعتقلون، والذي وصل إلى حد استجدائهم النظام، من أجل إيجاد مخرج لهم من هذا التأزم. ومن جهة ثانية، قد تكون هذه الرسائل المرحلة ما قبل الأخيرة، قبل أن تحدث تحولات فكرية للشباب قد تذهب بهم، أو ببعضهم على الأقل، في مسارات التشدّد والتطرّف، وهو ما يمثل خطراً ليس فقط على النظام، وإنما على المجتمع ككل. وحسب تقارير صحافية وحقوقية عديدة، تحوّلت السجون المصرية على مدار الأعوام الماضية إلى حضاناتٍ للتطرّف والتشدّد. وهناك حالات متعدّدة لشباب عاديين تحولوا إلى جهاديين، وانخرطوا في صفوف تيارات العنف وجماعاته.

وعلى الرغم من أن العلاقة بين الأمرين (السجن والتشدّد) ليست ميكانيكية أو خطّية، إلا أنها توجد بالفعل في أكثر من حالة كما هو الوضع في مصر منذ منتصف عام 2013. ومن جهة أخيرة، تضع هذه الرسائل جماعة الإخوان المسلمين أمام معضلة مهمة، وهي تراجع جاذبيتها وتأثيرها بين أعضائها وجمهورها، فالجماعة لم تتخذ أية خطوة فعلية وملموسة لحل ملف المعتقلين السياسيين، بل تعتبر أن استغاثة الشباب وكأنها تراجع واستسلام. وقد تكون كذلك بالفعل، بعد أن وصلت الأوضاع إلى مستوياتٍ لا يمكن تحملها، في مقابل عدم تقديم الجماعة أية مبادرة أو خطة يمكنها حلحلة الأزمة مع النظام. وأخيراً، تمثل هذه الرسائل مرحلة ما قبل الانفجار، خصوصا في ظل انسداد الأفق السياسي في مصر، وعدم اكتراث النظام الحالي إلا بتثبيت أقدامه في السلطة، ولو على حساب آلاف الأرواح.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here