شلل حكومي بانتظار التعديل الحكومي

تمّ إجراء تعديلين في يونيو وفبراير الماضيين

تسببت المعلومات المتداولة في الأوساط الحكومية بمصر عن قرب إجراء تعديل وزاري في حكومة مصطفى مدبولي، بإصابة الوزراء بشلل وظيفي، إذ غاب البعض منهم عن مكاتبه وآثر البعض الآخر وقف إصدار البيانات الصحافية بأنشطته اليومية، وألغى فريق ثالث الفعاليات المقررة سلفاً ممن تحوم حولهم شبهات الإطاحة، نتيجة غضب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتصاعد من سوء أداء فريق منهم والتصريحات العنترية لآخرين. كل ذلك، في وقت يحاول الجميع من خلال صلاتهم بالأجهزة السيادية، وبصفة خاصة المخابرات العامة والرقابة الإدارية، التعرّف على ملامح مستقبلهم، وما إذا كانوا سيودعون الحكومة أم سيتم تجديد الثقة فيهم. في السياق، أفادت مصادر حكومية بأن “رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أمضى معظم وقته خلال اليومين الماضيين في رئاسة الجمهورية بصحبة السيسي، ومدير المخابرات عباس كامل، ومدير الرقابة الإدارية شريف سيف الدين؛ لتقييم أداء الوزراء بشكل عام والاطلاع على السِير الذاتية للمرشحين لوراثة الحقائب المفتوحة على مصراعيها لمباشرة المشاريع التي لم تتم والوعود التي يزخر بها برنامج الحكومة ولم يتحقق أي شيء منها، خصوصاً في مجالي الصحة والتعليم”.

وتحدثت المصادر الحكومية عن “وجود ترجيحات بتوسيع التعديل الوزاري ليشمل أكثر من 7 وزراء لا يرضى السيسي عن أدائهم، بدلاً من إجراء تعديل محدود في 4 حقائب أو أقل، بحسب ما ورد في فكرة التعديل منذ يومين”، موضحة أنه “في هذه الحالة ستكون هناك مشكلة في إيجاد بدائل سريعة، وهو ما قد يؤدي لتأخير إعلان التعديل الوزاري أياماً عدة أو إلى ما بعد شهر رمضان (الثلث الأول من شهر يونيو/حزيران المقبل)”.
وكما جرت العادة في التعديلات الحكومية السابقة، لم يعد هناك دور لرئيس الوزراء في الاختيار، إلا بعد تخييره في النهاية بين مرشحَين أو ثلاثة تمت الموافقة عليهم من قبل السيسي، تحسباً لوجود مشاكل بين مدبولي وأحد المرشحين. بالتالي، ليس لمدبولي رأي مبدئي في رحيل أو استمرار أي وزير. ويعود القرار الأول والأخير للسيسي وحده بمعاونة من المخابرات والرقابة الإدارية، وبدرجة أقل بتقارير الأمن الوطني. وهو الجهاز الشرطي الذي يراقب أيضاً الوزراء ويعد تقارير عن صلاتهم ومقابلاتهم وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية، غير أنه لا يؤدي في عهد السيسي دوراً حاسماً في اختيار الوزراء الجدد.

وأضافت المصادر أن “السيسي في الآونة الأخيرة أصابه غضب شديد من سوء مستوى بعض الوزراء وعدم تقديمهم المردود المنتظر، وأنه مستاء للغاية من البيانات التي تصدر من الوزارات عن المشاريع والإنجازات، ويعتبر أنها أمور سرية لا يجب نشرها أو إعلانها إلّا من خلاله شخصياً. كما يعتقد أن بعض الوزراء ليسوا ملمّين بشكل كامل بالملفات المسندة إليهم، وأنه يفهم تفاصيلها بصورة أدق منهم”.

وأوضحت المصادر أن “السيسي انتقد في اجتماعاته مع رئيس الوزراء وكل وزير على حدة، جميع الوزراء تقريباً إلا وزير التعليم طارق شوقي ووزير البترول طارق الملا ووزير الكهرباء محمد شاكر المرقبي ووزير الإسكان عاصم الجزار ووزير النقل الجديد كامل الوزير الذي اختاره بنفسه، وأن وزراء المالية والصحة والتنمية المحلية والزراعة والتخطيط والري والصناعة وقطاع الأعمال هم الأكثر تعرضاً للانتقاد حتى الآن”.

وكشفت المصادر أن “الواقعة التي أغضبت السيسي بشكل استثنائي، تمثلت في التصريحات التي أدلى بها وزيرا التعليم والصحة طارق شوقي وهالة زايد في اجتماعهما الأسبوع الماضي مع لجان برلمانية، وأثارت جدلاً واسعاً حول سلامة الإجراءات الإدارية ومشاكل التمويل وترشيد الإنفاق في مشروع تطوير التعليم ومشروع التأمين الصحي الجديد”. وأضافت أن “التصريحات كشفت مشاكل داخلية يعاني منها النظام، في سياق ردود الوزيرين على ملاحظات عادية للنواب ومطالبتهما بكشف حساب لمصروفات الوزارتين العام الماضي قبل تحديد موازنتهما للعام الجديد. واتفقت تصريحات الوزيرين على عدم وجود تمويل كافٍ للمشروعين حتى الآن، مما أثار موجة حنق وتساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول أوجه إنفاق القروض والمنح التي تحصل عليها الحكومة في وقت يشكو الوزيران ضعف التمويل، بينما تحدث السيسي عن توفير التمويل الكافي واعداً بإنهاء الإعداد للمشروعين في العام الحالي”.

واعتبرت المصادر أنه “هنا تغير سلوك السيسي ودائرته إزاء وزير التعليم، الذي طالما استعان بالأجهزة السيادية لقمع المعارضة الشعبية لخططه التطويرية، التي لم يبد منها أي دليل نجاح حتى الآن على مستوى تحويل الامتحانات والمناهج من الطبيعة التحريرية إلى الإلكترونية. وعلى الرغم من أن السيسي معجب بشوقي على المستوى الشخصي، إلا أنه بحسب المصادر ضاق ذرعاً بتعمده التواصل المباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أولياء الأمور والمعلمين، وهو ما يحدث في رأي السيسي ودائرته (حالة غير مرغوبة من السيولة والأخذ والرد والجدل)، إلى جانب ادّعاء شوقي أمام الرأي العام، أن لديه مشاكل مالية، ما أغضب السيسي كثيراً لأنه الوزير الوحيد الذي يتصرف بحرية كاملة في ملفه بضوء أخضر من السيسي ومن دون تدخلات تُذكر”.

وكشفت المصادر الحكومية أنه “بعد أيام من صدور التعليمات المخابراتية لوسائل الإعلام بعدم نشر تصريحات للوزراء بشكل عام أوقف شوقي وعدد من الوزراء إرسال البيانات الصحافية بأسمائهم في محاولة لتدارك غضب السيسي، إلى أن وصل الحال إلى حذف شوقي منشورات عدة سبق له أن نشرها على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، بما يعكس حالة الخوف التي أصابته من الرحيل عن الحكومة”.

وأشارت المصادر إلى أن “بعض الشخصيات الداعمة لشوقي تحاول إثناء السيسي عن الإطاحة به بسبب قرب امتحانات الثانوية العامة التي سيكون مشرفاً عليها، أو الانتظار لتقييم تجربة الامتحانات الإلكترونية التي ستبدأ في 19 مايو/أيار الحالي للصف الأول الثانوي، وإعادة تقييمه بناء على هذه التجربة ومدى التزامه في تعامله مع الرأي العام بالقواعد التي يرغب السيسي في تعميمها”.

أما وزيرة الصحة هالة زايد، التي تبدو الأوفر حظاً في الرحيل، فيبدو أنها بدأت في التعامل مع الحقيبة باعتبارها وزيرة سابقة، فألغت بعض الفعاليات التي كان مقرراً أن تحضرها في اليومين الماضيين. أما وزير المالية محمد معيط، الذي ثارت تكهّنات برحيله أيضاً نتيجة مشاكل في إعداد الموازنة العامة الجديدة، فامتنع أيضاً بشكل ملحوظ عن إصدار البيان الصحافي اليومي عن نشاطه. وتكررت هذه المخاوف بصور مختلفة في دواوين الوزارات، مع بروز التساؤلات عن الوزراء الجدد وإلغاء بعض الوزارات حفلات الإفطار السنوية لها أو تأجيلها إلى حين وضوح الرؤية. وكان آخر تعديل حكومي في مصر قد أُجري في يونيو/حزيران 2018 وتضمن تعيين مدبولي رئيساً للوزراء ووزراء جدد للداخلية والدفاع والمالية والصحة والبيئة والتنمية المحلية وقطاع الأعمال والاتصالات والصناعة والطيران والشباب. وفي فبراير/شباط الماضي، تم تعيين وزير جديد للإسكان بدلاً من مدبولي، الذي احتفظ بهذه الحقيبة ثمانية أشهر.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here