أهالي الوراق باتجاه التهجير القسري

استطاع الأهالي، بعد التجمهر، الحفاظ على المعدّية

“يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”… هكذا نصّ الدستور المصري في المادة 63 منه. غير أن السلطات المصرية لا تزال تواصل محاولاتها لإجلاء سكان جزيرة الوراق بغير إرادتهم. في المقابل، يتمسك السكان بأرضهم ومنازلهم، ورفض محاولات إجبارهم على التنازل عنها، في إطار مخطط لتحويلها إلى مشروع استثماري ضخم، بشراكة بين الجيش ومستثمرين إماراتيين.

وفي الوقت الذي تقول فيه الحكومة المصرية إن عدد سكان جزيرة الوراق يتراوح ما بين 90 ومائة ألف نسمة، تؤكد منظمات مجتمع مدني محلية أن عدد سكان الجزيرة يزيد عن 140 ألف نسمة، علاوة على أكثر من 10 آلاف آخرين لم يتم تسجيل محل إقامتهم بالجزيرة، بسبب تعنّت السلطات؛ ويعيش الأهالي على مساحة تزيد على 1600 فدان، كون الوراق تعدّ أكبر جزيرة مساحة في مصر من مجموع 255 جزيرة على مستوى البلاد.

وتستمر الضغوط على الأهالي من جهات قضائية وبرلمانية. وتتواصل محاكمة 22 من أبناء الجزيرة، بعدما قررت محكمة مصرية قبل أيام، تأجيل القضية إلى جلسة في 26 يناير/كانون الثاني الحالي بناء على طلب محامي الدولة لتقديم مستندات جديدة. هذه الخطوة تستهدف بها الدولة إطالة أَمَد القضية لتفرض واقعاً جديداً على الأرض قبل صدور الحكم، بحسب المحامي الحقوقي خالد علي. وبدأت هذه القضية عندما قامت قوات من الجيش والشرطة في 16 يوليو/تموز 2017، بإزالة وهدم حوالي 18 منزلاً من منازل الجزيرة، مما أدى إلى اشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن التي قامت بإطلاق الأعيرة النارية (الخرطوش) وقنابل الغاز المسيلة للدموع، وهو ما أدى إلى وفاة أحد أهالي الجزيرة، ليصدر بعد ذلك قرار من وزير الداخلية بوقف حملة الإخلاء القسري لأهالي الوراق. إثر ذلك، تم تحرير محضر بالواقعة وتقديم تهم بحق 22 من أهالي الوراق، وتمت إحالة القضية إلى محكمة الجنح، وحددت أول جلسة للنظر فيها في 30 يوليو/تموز الماضي، ولا تزال القضية منظورة أمام المحكمة.

بالتوازي مع ذلك، كشف مصدر نيابي مطلع، لـ”العربي الجديد”، أن عضو البرلمان عن دائرة الوراق، محمود الصعيدي، يمارس ضغوطاً كبيرة على بعض كبار العائلات في الجزيرة، بغرض إقناع الأهالي بإخلاء مساكنهم مقابل تعويضات مالية عادلة، بحجة إفساح المجال لتطوير الجزيرة، ومنحهم في المقابل مساكن بديلة في المشاريع الجاري تنفيذها على أطراف العاصمة القاهرة. وتقدم الصعيدي ببيان عاجل أمام البرلمان موجّه إلى رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بشأن أهمية تطوير جزيرة الوراق، وتعويض المتضررين مالياً أو عبر حصولهم على وحدات سكنية في المدن الجديدة، داعياً إلى إنفاذ القانون باستكمال أعمال إزالة المباني المخالفة على الجزيرة، والبدء في تنفيذ الإنشاءات الجديدة التي تستهدف تطويرها، بزعم أن سكان الجزيرة لا يعارضون خطة التطوير.

وسبق أن قال الصعيدي، في تصريح خاص، إن “الدولة ترغب في طرح الأراضي المملوكة لها في الجزيرة أمام مستثمرين خليجيين للاستفادة من العوائد في التطوير، وإنشاء بنية تحتية للجزيرة بدلاً من توجيه الأهالي الصرف الصحي إلى مياه النيل”، معترفاً بصعوبة إجلاء جميع السكان، وإمكانية الإبقاء على الحائزين منهم على مستندات تفيد بملكيتهم الأراضي المقيمين عليها.

وحسب مصادر مطلعة، فإن موظفي مصلحة الشهر العقاري، التابعة لوزارة العدل، لديهم تعليمات برفض طلبات سكان الجزيرة الخاصة باستخراج توكيلات القضايا، للانضمام إلى الطعن الجماعي الذي أقامته هيئة الدفاع عنهم ضد قرار رئيس الوزراء الأخير بنزع ملكية أراضيهم، علاوة على تعنّت الموظفين في تسجيل أي حركة بيع وشراء لأراضي ومباني الجزيرة بالمخالفة للقانون.

وكانت آخر مراحل الصراع على أرض الوراق، وقعت قبل بضعة أيام، عندما حاصرت قوات الشرطة، صباح يوم الثلاثاء 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي، معدية دمنهور، وهي أهم المعديات التي تربط الجزيرة بشبرا الخيمة من الناحية الشرقية، وأمرت أصحاب المعدية بإخلاء المرسى لإزالته من أجل تشغيل عبّارة تابعة للجيش مكانها، وما إن علم الأهالي حتى تصدَّوا للشرطة لوقف عملية الإزالة، وتبع ذلك حضور قوات أكبر من الأمن المركزي والقوات الخاصة، ثم حضر مدير أمن القليوبية الذي أمر بسحب القوات خشية تطوُّر الأحداث.

وقال الأهالي حينها إن “الهدف من عبّارة الجيش الجديدة هو إحكام الحصار على الجزيرة وخنقها عن طريق تشغيل العبّارة لعددٍ محدد من الساعات يومياً، ومنع دخول مواد البناء حتى البسيط والأساسي منها، مثل الإسمنت والمؤن، علاوة على منع دخول الأثاث المنزلي”. ومنذ عملية الإزالة تلك، توجد قوة كبيرة من الشرطة برفقة العشرات من المدرعات أمام المعدية استعداداً لعملية إزالة أخرى مجهولة التاريخ، وفق “حركة الاشتراكيين الثوريين” المصرية. واستطاع الأهالي، بعد التجمهر بأعداد كبيرة، الحفاظ على المعدّية المملوكة للأهالي، باعتبار أنها تمثل شريان الحياة بالنسبة لهم، وتفي بنسبة 80 في المائة من احتياجات السكان، مقارنة بالمعديات الست الأخرى التي تخدم جزيرة الوراق. وفقدان السيطرة عليها لمصلحة معدية الجيش يعني بالضرورة فقدان سيطرة الأهالي على الجزيرة.

وأخيراً، أصدرت عدة تنظيمات نقابية وسياسية وعمال ومهنيون وطلاب بياناً للتضامن مع أهالي جزيرة الوراق. وأعلنت 6 أحزاب وحركات سياسية مصرية، واتحاد عمالي، ونقابة مهنية، ولجنة شعبية، وتعاونية قانونية، و392 فرداً ما بين عامل ومهني وطالب، تضامنهم مع أهالي جزيرة الوراق، في بيان تضامني بعنوان “فكوا الحصار عن أهالينا… ارفعوا أياديكم عن جزيرة الوراق”، أكدوا خلاله “حق أهالي الجزيرة في الوصول إلى بيوتهم بحرية وكرامة من دون المرور على لجان أمنية أو تهديدات يومية بالحبس وتلفيق القضايا لسلبهم أراضيهم وبيوتهم بالقهر والقوة الغاشمة”.

وأكد الموقّعون على البيان ضرورة قيام السلطات بتنفيذ مطالب الأهالي، وأهمها “محاكمة قتلة شهيد الجزيرة سيد حسن علي الجيزاوي، وإسقاط التهم عن أكثر من عشرين مواطناً قبل جلسة محاكمتهم في يناير(الحالي)”. كما طالبوا بـ”إلغاء قرار مجلس الوزراء حول نزع ملكية 100 متر حرم الطريق الدائري والاكتفاء بثمانية أمتار على جانبي الطريق والشاطئ مثل بلاد الوراق وأوسيم وباقي الأماكن التي يمر بها الدائري، وفك الحصار الأمني عن الجزيرة، ووقف المضايقات والتحرشات اليومية بالأهالي، وعدم التعدي على حرمات وحياة المواطنين الخاصة”.

وكانت مقررة الأمم المتحدة للحق في السكن، ليلاني فرحة، قالت في بيان إن هناك قلقاً، عبّر عنه عدد من سكان جزيرة الوراق الذين تمكنت من لقائهم، يتمثل في تهجيرهم قسرياً من منازلهم من أجل إقامة مشاريع استثمارية، معتبرة أن ظاهرة “تسليع المساكن” تزداد سوءاً في مصر، خصوصاً مع النوايا التي أعلنتها الحكومة أخيراً بشأن جذب المستثمرين الأجانب إلى الجزيرة. وكان مجلس الوزراء المصري حدد ثلاثة خيارات أمام أهالي الجزيرة، هي إما إعادة توطينهم مرة أخرى بعد تطويرها وبناء مساكن تراعي المعايير الدولية، أو الانتقال إلى واحدة من المدن الجديدة، أو الحصول على مقابل مادي نظير بيع منازلهم أو أراضيهم، مدعياً أن تجهيز المعدية الجديدة هدفه تسهيل عملية انتقال الأهالي من الجزيرة وإليها.

وقال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في وقت سابق، إن الحكومة تعمل على تطوير الجزيرة لتصبح مجتمعاً عمرانياً حضارياً تتوفر فيه كل الخدمات، مشيراً إلى توزيع “استمارات رغبات” بخيارات الحكومة على سكان الجزيرة (لم تتضمن اختياراً بالبقاء في منازلهم وأراضيهم)، والإعلان عن تنظيم زيارات للأهالي إلى المناطق المقترحة كسكن بديل لهم في المدن الجديدة. وفي نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تظاهر الأهالي في جزيرة الوراق، رفضاً لقرار رئيس الوزراء الخاص بنزع ملكية الأراضي الكائنة في نطاق مساحة 100 متر على جانبي محور روض الفرج، والأراضي الكائنة في نطاق مسافة 30 متراً في محيط الجزيرة لتنفيذ منطقة الكورنيش، من دون انتظار حصر ملّاكها، واعتبار هذا المشروع من أعمال المنفعة العامة.

وتأتي خطوة نزع ملكية تلك الأراضي بهدف إحكام السيطرة على الجزيرة، وإخماد معارضة الأهالي للتخلي عن أراضيهم بالأسعار المحددة سلفاً من الهيئة الهندسية للجيش، والتي يعتبرها الأهالي مجحفة لهم، إذ إن إفراغ محيط الجزيرة من سكانها يضعف موقف أصحاب الأراضي الداخلية الأقل قيمة خلال التفاوض، ويمهد لمنحهم مقابلاً مالياً أقل مما يطالبون به.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here