مولد الحسين… احتفالية روحية واجتماعية في قلب القاهرة

في الوقت أحيا فيه الملايين في أنحاء العالم عيد الميلاد؛ اتجه الآلاف من أبناء الطرق الصوفية في مصر، والتي تبلغ حوالي 70 طريقة؛ إلى ساحة جامع الحسين في القاهرة للاحتفال بمولده بداية من الثلاثاء (25 ديسمبر/ كانون الأول) ولمدة أسبوع، حيث تقام الليلة الكبيرة في الأول من يناير/ كانون الثاني 2019. ويُقام مولد الحسين في مصر مرتين كل عام؛ الأولى بمناسبة ميلاده الموافق 3 شعبان، والثانية في ربيع الثاني، بالرغم من أن تاريخ استشهاده كان في 10 محرم 61 للهجرة في العراق.

وتزعم الأدبيات الصوفية أن المشهد الحسيني بالقاهرة يضم رأس الإمام الذي جاء به الوزير الفاطمي “الصالح طلائع” عام 548 هجرية إلى القاهرة من عسقلان بفلسطين، وهو ما كان مبرراً لإقامة الضريح والمسجد والمولد الذي أقيم للمرة الأولى سنة 549 هجرية، وأصبح أهم الموالد المصرية بعد المولد النبوي الشريف.

بداية المولد
تبدأ فعاليات المولد من مرحلة الاستعداد، حيث تُنصب الخيمة الرئيسية الكبرى أمام الباب الأخضر تحت إشراف أجهزة الدولة، ويجتمع فيها أبناء جميع الطرق الصوفية. كما يتوافد الزائرون والمريدون في الوصول إلى المسجد قبيل انطلاق الفعاليات، فيتمركزون في الساحات المحيطة به، كمنطقة الموسكي والأزهر والدرّاسة والجمالية والعتبة.

وتنطلق فعاليات المولد رسمياً مع عصر اليوم الأول بالموكب الكبير الذي يبدأ من مسجد الشيخ صالح الجعفري من منطقة الدرّاسة، وصولا إلى المشهد الحسيني. وهناك تقوم كل طريقة صوفية باستعراض منشديها وراقصيها في مواكب صغيرة إعلاناً منها بالمشاركة.

للتبرك أيضا
وفي كل أيام المولد ليلاً ونهاراً لا ينقطع قدوم المتبركين على الضريح الحسيني، الذين يطوفون حوله، ويحاول بعضهم الوقوف ولو دقيقة واحدة، ليحكي فيها لصاحب المقام شكواه ويرجو منه حلها. كما تكثر الولائم والذبائح التي توزع على المارة والفقراء والسائلين، وتعد الفتة المصرية بسيطة التحضير هي الطعام الرئيسي في أيام المولد، إذ لا تزيد الوجبة في العادة عن خبز منقوع في مرق، تضاف إليه قطعة من اللحم.

تمتاز أيام مولد الحسين بتعدد الأنشطة، ومع الزحام الشديد يبدو المولد كأنه مهرجان شعبي كبير، إذ ينتشر الباعة الجائلون، ويستعرض أصحاب المواهب الخاصة فنونهم، فتكثر خيام الترفيه التي تضم السيرك والحواة والمطربين الشعبيين، وفي حين ينشغل بعض الناس بالذكر؛ فإن آخرين ينشغلون باللهو وقضاء أوقات ممتعة، كما يحرص الجميع على شراء الهدايا الرمزية من منطقة الحسين للذكرى وتبركاً بصاحب المقام.

اهتمام المستشرقين
وطوال تلك السنوات شغل أمره العديد من الرحالة والمستشرقين، فالمستشرق البريطاني إدوارد ويليم لين (1801-1876م) يذكر أن مولد الحسين كان يقام في زمانه لمدة أسبوعين كاملين. وفي كتابه “الموالد والتصوف في مصر” يقول نيكولاس بيخمان، وكان سفيراً لهولندا بالقاهرة، يصف الموالد في مصر، ومن بينها مولد الحسين، معتمدا على كثير من الصور الفوتوغرافية التي توثق الأنشطة داخل الموالد، مثل خيمة الطهور التي كانت تنصب في الحسين، ويذهب إليها الناس في هذه المناسبة من أجل ختان أبنائهم في المولد من باب البركة. كما وصف بيخمان عملية الذكر داخل الخيمات الصوفية، فيقول: “في العادة لا تقام حلقات الذكر أثناء النهار، لكن في الأغلب بعد صلاة العصر، والذكر الليلي غالبا يخلق حالة من الإجهاد. ثمة خيام تخصص لخدمة رواد المولد وضيوفه يقدم فيها الطعام والشاي مجانا لمن يرغب”.

الليلة الكبيرة
يطلق على الليلة الختامية للمولد اسم “الليلة الكبيرة” والتي تضم الاحتفال الأكبر الذي يتوافد إليه كبار المنشدين ليقدموا حفلاتهم طوال الليل بمصاحبة حلقات الذكر. وهو أكثر أيام المولد ازدحاماً. تبدأ الاستعدادات لليلة الكبيرة، بمراسم معروفة، تتضمن خروج مواكب كبيرة يتقدمها مندوبو الطرق الصوفية، حيث يسير حاملو الدفوف وسط حاملي السيوف الذين يرتدون أوشحةً خضراء تحمل اسم الطريقة التي يتبعونها، كما يرفعون علما أخضر اللون غالبا، يكون عليه شعار الطريقة واسمها. ويسير وسط الموكب “خليفة الولي” وهو شيخ الطريقة، وفي كثير من الأحيان يحرص الخليفة على أن يركب حصانًا أبيض اللون من باب التميّز.

أمداح وتواشيح
وفي المساء يصدح المنشدون بالأغاني والتواشيح والمواويل التي تمتدح الإمام الحسين وأباه وجده. وكان من أبرز المنشدين الذين عرفوا في ساحة الحسين وأحيوا لياليه الكبيرة خلال سنوات طوال: الشيخ الراحل عبد العظيم العطواني والشيخ الراحل أحمد التوني والشيخ ياسين التهامي ومحمود التهامي وغيرهم.

وقد خلد التلفزيون المصري الليلة الكبيرة بأوبريت شهير لعرائس الماريونيت، تقول كلماته: “الليلة الكبيرة ياعمي والعالم كتيرة/ ماليين الشوادر يابا م الريف والبنادر”. وهو من تأليف صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي وإخراج صلاح السقا.

يذكر أن خريطة الموالد المصرية تضم حوالي 2850 مولداً، وعلى رأسها مولد الحسين، وهي تحقق أرباحاً ضخمة تتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات عبر صناديق النذور، وفقاً لتصريحات رسمية، إضافة إلى الأنشطة الربحية المصاحبة من حفلات فنية وأنشطة تجارية.

مشاركة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here