مصر تحت انتداب صندوق النقد: 3 سنوات فقر وغلاء وديون

ملايين المصريين دخلوا تحت خط الفقر بعد اتفاق الصندوق
ملايين المصريين دخلوا تحت خط الفقر بعد اتفاق الصندوق

في مثل هذا اليوم منذ 3 سنوات أعلن صندوق النقد الدولي موافقته على اتفاق يمنح بموجبه مصر قرضاً بقيمة 12 مليار دولار على عدة مراحل بشروط وإجراءات قاسية يجب على الحكومة التزامها، وكان أبرزها تعويم العملة وتقليص الدعم وتحرير أسعار الوقود وفرض ضريبة القيمة المضافة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن مصر حصدت إيجابيات عديدة من الاتفاق مع صندوق النقد، أبرزها القضاء على السوق السوداء للدولار وزيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية واستقرار السياسات النقدية، انعكس برنامج الصندوق سلباً على المواطنين الذين عانوا من تفاقم أزماتهم المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة نسب الفقر إلى مستويات خطرة.

وحسب مراقبين، فإن من أكبر التداعيات السلبية للاتفاق، تتمثل بأن صندوق النقد لم يتحكم بمسار الاقتصاد الوطني طوال السنوات الثلاث الماضية فقط، بل يبدو أن البلاد ستكون رهينة المؤسسة الدولية لسنوات مقبلة، حيث أصبحت مصر مجبرة على الاتجاه نحو اتفاق جديد للحصول على قروض تحد من أزماتها المالية وتسدّ بها أقساط الديون التي وصلت إلى معدلات قياسية.

بدأت القصة عندما أعلن صندوق النقد الدولي على صفحته يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أن المجلس التنفيذي للصندوق وافق على عقد اتفاق ممدد مع مصر لفترة ثلاث سنوات تستفيد فيها من “تسهيل الصندوق الممدد” بقيمة تعادل 8.579 مليارات وحدة حقوق سحب خاصة (نحو 12 مليار دولار، أو 422% من حصة عضويتها)، لدعم البرنامج الوطني الذي وضعته السلطات المصرية لإصلاح الاقتصاد المأزوم.

وحسب بيان صندوق النقد آنذاك، سيساعد البرنامج على استعادة استقرار الاقتصاد المصري وتشجيع النمو، حيث تهدف السياسات التي يدعمها البرنامج إلى تصحيح الاختلالات الخارجية، ووضع عجز الموازنة والدين العام على مسار تنازلي، وإعطاء دفعة للنمو وخلق فرص العمل مع توفير الحماية لمحدودي الدخل.

وقال الصندوق: كان تحرير نظام سعر الصرف وتخفيض سعر الجنيه المصري خطوتين أساسيتين نحو استعادة الثقة في الاقتصاد والتغلب على نقص العملة الأجنبية. وسيكون نظام سعر الصرف الجديد مدعوماً بسياسة نقدية ذات طابع انكماشي حذر، لتثبيت توقعات التضخم، والسماح بتراكم احتياطيات النقد الأجنبي.

أكبر خسارة للجنيه

كان أول شروط صندوق النقد من أجل إتمام الاتفاق مع مصر، تحرير سعر الصرف الأجنبي. وبالفعل، قررت الحكومة تعويم العملة المحلية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أي قبل إعلان الصندوق موافقته على الاتفاق بنحو أسبوع فقط، ليصل سعر الدولار آنذاك إلى 18 جنيهاً مقابل 8.88 جنيهات قبل التعويم، وهي أكبر خسارة للجنيه طوال تاريخه، فيما يصل سعر العملة الأميركية حالياً نحو 16 جنيهاً.

وفي يناير/ كانون الثاني من عام 2017، قال رئيس بعثة مصر في صندوق النقد، كريس غارفيس، إن قيمة الجنيه المصري انخفضت أكثر من المتوقع بعد تعويم سعر الصرف، مشيراً إلى أن السكان يمكن أن يستفيدوا على المدى الطويل من الإصلاحات والتعويم، لكن الفقراء سيعانون إلى حد كبير.

وحسب خبراء اقتصاد لـ”العربي الجديد”، كان لعملية التعويم إيجابيات، أبرزها القضاء على سعر السوق السوداء للعملات الصعبة، إلا أن لها سلبيات ضخمة، أبرزها الارتفاع الكبير للأسعار الذي أرهق المواطنين وساهم في زيادة نسبة الفقر، حيث تجاوز معدل التضخم 35% في يوليو 2017، وهو أعلى معدل منذ الحرب العالمية الثانية .

وقال الخبير الاقتصادي، علاء عبد الحليم، في اتصال هاتفي من القاهرة، لـ”العربي الجديد”، إن اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي كان مهماً وساهم في تصحيح مسار الاقتصاد وعلاج العديد من التشوهات، ومنها وجود سعرين للدولار في السوق الرسمي والموازي.

وأضاف عبد الحليم أن المجلس العسكري والرئيسين المصريين السابقين محمد مرسي وعدلي منصور، لم ينجحوا في توقيع اتفاق مع صندوق النقد، لكن الحكومة الحالية اتخذت قراراً جريئاً بتوقيع الاتفاق الذي أعاد الكثير من الأمور إلى نصابها، ووجه الاقتصاد إلى الطريق الصحيح، على حد قوله.

وأشار إلى وجود أكثر من سعر للدولار قبل التعويم، أدى إلى أزمات كبيرة للمواطنين والمستثمرين والتجار، وسبّب خسائر باهظة للاقتصاد، مشيراً إلى أن إحدى أبرز الإيجابيات، ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لمصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وأعلن البنك المركزي المصري، الشهر الماضي، ارتفاع أرصدة احتياطي النقد الأجنبي لأكثر من 45 مليار دولار لأول مرة، مسجلة 45.118 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول الماضي. وزاد الاحتياطي الأجنبي بنحو 149 مليون دولار، حيث كان يسجل 44.969 مليار دولار بنهاية أغسطس/ آب، لكن يرى محللون أن الزيادة في الاحتياطي جاءت عبر التوسع في القروض الخارجية، وليس عبر موارد ذاتية.

ورغم تأييد عبد الحليم للاتفاق مع الصندوق، إلا أنه عاد ليؤكد أن “لكل مسار اقتصادي جديد ضحايا، إذ أدى الاتفاق إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، ولكن هذا الجانب يمكن علاجه عبر برامج الحماية الاجتماعية وضبط الأسواق وزيادة الرواتب”.

قفزات في الأسعار

وأدى قرار التعويم إلى قفزات هائلة في أسعار السلع الضرورية والخدمات الأساسية، ولا سيما في ظل اعتماد مصر على استيراد احتياجاتها الأساسية من الخارج بالعملة الصعبة. وأكد تقرير صادر عن وزارة المالية المصرية بشأن حركة السلع الأساسية الواردة إلى مصر، استيراد سلع غذائية أساسية بقيمة 227.7 مليار جنيه (12.93 مليار دولار) خلال 2018.

ورغم وعود الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وحكومته بالتزامن مع توقيع اتفاق الصندوق بعدم تأثر الفئات محدودة الدخل بما تصفه الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أن الواقع جاء عكس ذلك، إذ شهدت مصر موجات غلاء طاحنة ومتتالية، ووصل التضخم إلى مستويات قياسية لم يصل إليها منذ 30 سنة بعد أن تجاوزت نسبته 35%، قبل أن يتراجع إلى أقل من 8% حالياً حسب بيانات رسمية، وهو ما يشكك فيه خبراء الاقتصاد الذين يؤكدون أن معدلات التضخم أعلى بكثير، وخاصة مع استمرار موجات الغلاء.

وارتفعت أسعار الوقود 4 مرات السنوات الثلاث الماضية، إذ زادت بنسب راوحت بين 30 و47% في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بالتزامن مع توقيع مصر اتفاق قرض صندوق النقد، ثم بنسب وصلت إلى 55% في يونيو/حزيران 2017، و67% في يونيو/حزيران 2018، لتراوح الزيادة الإجمالية بين 430% و770% خلال السنوات الماضية، وفقاً للزيادة الجديدة التي اعتُمدَت في يوليو/ تموز الماضي. وشهدت أسعار تذاكر المترو وفاتورة الكهرباء والمياه والسلع الغذائية قفزات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضي.

فقر قياسي

نتج من تفاقم الأزمات المعيشية للمصريين طوال السنوات الثلاث التي أعقبت الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، زيادة أعداد الفقراء إلى مستويات قياسية.

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، ارتفع معدل الفقر في البلاد خلال العام المالي 2017 – 2018 إلى 32.5%، مقابل 27.8% خلال العام المالي 2015 – 2016 (قبل الاتفاق مع الصندوق). أي إن عدد الفقراء ارتفع بنسبة 4.7% خلال عام واحد فقط، ليصبح ثلث سكان مصر تحت خط الفقر.

وتشير تقارير أخرى إلى أن نسبة الفقر أكثر من ذلك بكثير، إذ قدّر البنك الدولي ارتفاع نسبة الفقر والفئات القابلة للدخول في دائرته بنحو 60%، أي إن أكثر من 50 مليون مصري أصبحوا في دائرة الفقر.

ويأتي ذلك رغم أن صندوق النقد طالب الحكومة بوضع برامج اجتماعية لحماية محدودي الدخل، إلا أن ما حدث هو اتجاه الحكومة إلى تقليص الدعم وحرمان ملايين المصريين الحصول على التموين المدعم بعد إلغاء بطاقاتهم في إطار الإجراءات التقشفية للحكومة.

ديون متراكمة

شهدت الديون خلال السنوات الأخيرة زيادة قياسية، إذ أظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي، أن إجمالي الدين العام المحلي وصل إلى نحو 4.204 تريليونات جنيه (256.2 مليار دولار)، في مارس/آذار الماضي، مقابل 3.538 تريليونات جنيه (215 مليار دولار) في الشهر نفسه من 2018.

وارتفع دين مصر الخارجي إلى 109 مليارات دولار آخر يونيو/حزيران 2019، صعوداً من 93 ملياراً قبل سنة سابقة، بما يشكل تقريباً زيادة قدرها 16 مليار دولار، ونسبتها 17%.

يذكر أن الدين الخارجي بلغ 67.3 مليار دولار، في ديسمبر/كانون الأول من 2016، أي أن الديون الخارجية زادت بمقدار 42 مليار دولار خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الاتفاق مع صندوق النقد، أي بنسبة زيادة نحو 63% خلال هذه الفترة.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، لـ”العربي الجديد” أنه رغم انتهاء البرنامج إلا أن آثاره مازالت ممتدة، مشيرا إلى ارتفاع المديونية الخارجية إلى أكثر من ضعفى ما كانت عليه قبل بداية البرنامج.

وأوضح أن الاتفاق مع صندوق النقد يضر أكثر مما ينفع، مؤكدا أن أكثر النتائج سلبية كانت في مضاعفة أسعار السلع والخدمات وزيادة الفقر.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here