الاستفتاء التمهيدي لتفعيل خطة التعديلات الدستورية

السيسي ألمح سابقاً إلى بقائه في السلطة مدى الحياة

يستمر نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في البحث عن شكل مناسب لتفعيل خطة التعديلات الدستورية، في مواجهة تحفّظات دولية، أوروبية بصفة خاصة، ومخاوف من تحرك واسع من الكونغرس الأميركي، وأخيراً يسعى إلى تمرير هادئ لخطة التعديل من دون استفزاز مشاعر المصريين ودفعهم للنزول إلى الشوارع ضد استمرار حكم السيسي لأجل غير مسمى.

وفي سياق المباحثات الدائرة على مدار الساعة بين جهات وأجهزة مختلفة داخل الدولة، تبدو رغبة دائرة السيسي قوية لتفجير أكبر قدر ممكن من بالونات الاختبار عبر وسائل الإعلام الموالية للنظام، بغية إرباك المشهد السياسي والعواصم الأجنبية المراقبة، بين رفع سقف التوقعات أحياناً وخفضه في أحيان أخرى، إلى حين الوصول إلى صيغة مناسبة يمكن تمريرها من دون مشاكل داخلية أو خارجية، وبسرعة أيضاً، تحسباً لرحيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتهاء فترة رئاسته الأولى، وهو الشخص الذي يراهن السيسي على تمرير التعديلات في وجوده.

وكشفت مصادر حكومية أن هناك مقترحاً جديداً يهدف لتمرير التعديلات في أجواء “أكثر هدوءاً وتدريجاً”، يتمثّل في “إجراء تعديل دستوري مبكر هذا العام على المادة 226 في الدستور، الخاصة بإجراءات التعديل، والتي تحظر فقرتها الخامسة المساس بالمادة الخاصة بمنع إعادة انتخاب رئيس الجمهورية أكثر من مرة”، كما “تعديل فترة الولاية (وهي مسألة لم يحصنها الدستور وتمثل ثغرة واضحة) بحيث تصبح الولاية 6 أو 8 سنوات، ولا تقتصر على 4 سنوات فقط”.

ويقترح أصحاب هذا المشروع أن يقتصر الاستفتاء الأول على تعديل هذه المادة، بحيث يتم حذف الجزء الخاص بانتخاب رئيس الجمهورية من الفقرة الخامسة منها، والتي نصها “في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات”.

وسيهدف هذا التعديل بالطبع، في حال طرحه في الاستفتاء وتمريره، إلى إدخال نصوص مستقبلية لا تقتصر على زيادة مدة الولاية الواحدة فقط إلى 6 سنوات، كما هو متداول حالياً، بل يمكن إتاحة تجديد الولاية إلى ما لا نهاية، كما حدث في التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1980 على دستور 1971.

وبالتالي فإن تعديل تلك الفقرة سيؤدي لفتح آفاق جديدة أمام التعديلات المرتقبة، من دون الاضطرار إلى حلول التفافية، كإنشاء مجلس رئاسي انتقالي يكون السيسي على رأسه بعد نهاية ولايته الثانية، أو تسليم الرئاسة لشخصية مأمونة لفترة معينة مع التحكّم الكامل في الدولة من منصب آخر، كما حدث في روسيا بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف.

وأضافت المصادر أن فكرة الاستفتاء التمهيدي، أو التدريجي، ربما تهدف لإجراء “تعديلات واسعة قد ترقى لكتابة دستور جديد تماماً”، فالتعديلات المطروحة حالياً في إطار خطة الاستفتاء الواحد، تقتصر على نحو 10 مواد، لكن إجراء الاستفتاء التمهيدي سيتيح للحكومة وقتاً أطول لإعداد تعديل دستوري واسع، وإدراج عشرات المواد فيه. وأوضحت المصادر أن مقترحي هذه الفكرة يرون أن نجاح الدولة في تمرير الاستفتاء الأول في صورة “أخذ إذن الشعب في تعديل الدستور” سيقلّل الضغوط الخارجية بنسبة معتبرة، وسيسمح بالعبث بمواد أخرى لا يطاولها التعديل المحدود بالشكل الذي يروج له الآن.

أما باقي فقرات المادة 226 والخاصة بإجراءات تعديل الدستور، فمن الوارد أيضاً تعديلها، في خطة الاستفتاء التمهيدي، وذلك لضمان “سرعة إجراءات الاستفتاءات التالية”. وتنص هذه الفقرات على أنه “لرئيس الجمهورية، أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يُذكر في الطلب المواد المطلوب تعديلها، وأسباب التعديل. وفي جميع الأحوال، يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كلياً، أو جزئياً بأغلبية أعضائه. وإذا رُفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي. وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد ستين يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور هذه الموافقة، ويكون التعديل نافذاً من تاريخ إعلان النتيجة، وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين في الاستفتاء”.

ووفقاً لتلك الفقرات، فإن إجراءات الاستفتاء قد تمتد لتستغرق أكثر من ثلاثة أشهر، الأمر الذي يرى فيه النظام إطالة غير مرغوبة لأمد العملية، وأنه من الممكن، بحسب المصادر، اختصار دور البرلمان أو تسريعه.

وكان الترويج الإعلامي لضرورة تعديل الدستور قد بدأ في مصر منذ عامين، لكنه تراجع بشكل واضح في أعقاب القرار الأميركي بتجميد جزء وتأجيل جزء آخر من المساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر، إلى درجة خروج بعض قيادات الأكثرية النيابية الداعمة للسيسي بتصريحات تنتقد التعديل الدستوري وتحذر منه بعد أيام معدودة من ترويجهم له، وعلى رأسهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان اللواء السابق كمال عامر، والمعروف بصداقته للسيسي، حيث كان قائده لفترة في المخابرات الحربية.

وأكدت مصادر حكومية في 8 سبتمبر/ أيلول الماضي، وتداولته بعدها وسائل إعلام أخرى، عن أن السيسي تلقى تقارير مخابراتية توصي بضرورة الإسراع في إجراء استفتاء تعديل الدستور وإتباعه بإجراءات لتقليل القيود على المجال العام، قد تصل إلى حد تخصيص نسبة من المقاعد لفصيل معارض، يُنصح بأن يكون ناصرياً، وذلك لتحقيق هدفين: الأول هو استغلال وجود ترامب وإدارته التي لا تبدي حتى الآن ممانعة تذكر لتعديل الدستور أو زيادة صلاحيات السيسي، عكس سلفه باراك أوباما الذي لم يكن يقبل بالسيسي رئيساً للجمهورية أو منافسته السابقة هيلاري كلينتون.

ومن المتوقع ألا يقتصر أي تعديل دستوري على مد فترة الرئاسة، بل سيمتد أيضاً لإزالة أي عوائق تحول دون ممارسة السيسي لسلطة مباشرة على كل سلطات ومرافق الدولة، وأبرزها السلطة القضائية، فضلاً عن حذف بعض الضمانات التي يمنحها الدستور الحالي لوسائل الإعلام والصحافيين، وإعادة صياغة المواد المنظمة لميزانية الدولة بما يزيل شروط زيادة نصيب التعليم والصحة منها، وحذف التنظيم الخاص بالعدالة الانتقالية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here