حُكم 3.5%.. دليل الحركات السلمية في إزاحة الأنظمة السياسية والوصول إلى السلطة

معضلة حقيقية باتت تعاني منها منطقتنا العربية عقب اندلاع شرارة الربيع العربي قبل 8 سنوات، وهي هل يمكن أن تزيح الاحتجاجات السلمية أنظمة سياسية وتحقق الثورة أهدافها؟ نعم يمكن ذلك بحسب تقرير هام للصحفي في موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC ديفيد روبسون.

التقرير الذي قام به روبسون استند إلى عدة دراسات وتجارب ميدانية أيضاً كان من أبرزها ما حدث في الفلبين عام 1986 وما حدث وجورجيا، وحتى في السودان والجزائر قبل أشهر قليلة.

نماذج نجحت في تحقيق أهدافها
شهد عام 1986 خروج ملايين الفلبينيين إلى شوارع العاصمة مانيلا في احتجاجات سليمة وصلوات ضمن حركة سلطة الشعب. ورحل نظام الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس في اليوم الرابع.

وفي عام 2003، أطاح الشعب الجورجي الرئيس إدوارد شيفردنادزه عن طريق ثورة الزهور السلمية، التي اقتحم خلالها المحتجون مبنى البرلمان حاملين الزهور في أيديهم.

وفي وقت سابق من هذا العام، أعلن الرئيسان السوداني والجزائري تنحيهما أو تمت تنحيتهما بعد عقود قضاها كلاهما في السلطة، وذلك بفضل حملة معارضة سلمية في كلا البلدين.

وفي كل حالة، تغلبت المقاومة المدنية لأشخاص عاديين من الشعب على النخبة السياسية، لتحقق تغييراً جذرياً، بحسب الموقع البريطاني.

لا شك أن هناك عديداً من الدروس الأخلاقية لاستخدام الاستراتيجيات السلمية. لكن بحوثاً مقنعة أجرتها إيريكا تشينويث، وهي خبيرة علوم سياسية في جامعة هارفارد، أكدت أن العصيان المدني ليس الخيار الأخلاقي الوحيد فحسب، بل إنه أيضاً أنجع طرق تشكيل السياسة العالمية، وبدرجة كبيرة جداً.

وبحسب الموقع البريطاني، من خلال النظر إلى مئات الحملات المشهودة خلال القرن الماضي، توصلت تشينويث إلى أن الحملات السلمية تتضاعف احتمالية تحقيقها لأهدافها مقارنة بالحملات العنيفة. وبالرغم من أن الديناميات المحددة ستعتمد على عديد من العوامل، أوضحت الخبيرة السياسية أنها تحتاج إلى حوالي 3.5% من السكان المشاركين فعلياً في الاحتجاجات لضمان تحقيق تغيير سياسي جاد.

يُمكن أن يُرى هذا النفوذ الذي أوضحته تشينويث في الاحتجاجات الحديثة لحركة «تمرد ضد الانقراض»، التي يقول مؤسسوها إن النتائج التي توصلت إليها الخبيرة السياسية كانت مصدر إلهامهم المباشر. لذا كيف توصلت إلى هذه النتائج؟

لا حاجة إلى قول إن أبحاث تشينويث تستند إلى فلسفات عديد من الشخصيات المؤثرة عبر التاريخ. إذ إن مناصِرة إبطال الاسترقاق الأمريكية ذات الأصول الأفريقية سوجورنر تروث؛ والمُصلحة الاجتماعية المشاركة في حملة حصول المرأة على حقّ الاقتراع سوزان أنتوني؛ والزعيم والناشط الهندي في حركة الاستقلال المهاتما غاندي؛ والناشط الحقوقي الأمريكي مارتن لوثر كينغ – تبنوا جميعاً حججاً مقنعة تؤيد قوة الاحتجاج السلمي.

النضال السلمي أقوى من العمل المسلح
ومع ذلك، تعترف تشينويث بأنها عندما بدأت بحوثها في أواسط العقد الأول من القرن الحالي، كانت مستخفة في البداية بالفكرة التي تقول إن النضال السلمي يمكن أن يكون أكثر قوة من الصراع المسلح في أغلب المواقف. وعندما كانت طالبة دكتوراه في جامعة كولورادو، قضت أعواماً تدرس العوامل التي تسهم في ظهور الإرهاب عندما طُلب منها حضور ورشة عمل أكاديمية ينظمها المركز الدولي للصراع اللاعنفي، وهي منظمة غير ربحية مستقرة في واشنطن دي سي. عرضت ورشة العمل عديداً من الأمثلة المقنعة حول الاحتجاجات السلمية التي تجلب تغييراً سياسياً دائماً، بما في ذلك -على سبيل المثال- احتجاجات سلطة الشعب في الفلبين، بحسب الموقع البريطاني.

لكن تشينويث تفاجأت باكتشاف أنه لم يسبق أن أجرى أي شخص مقارنة شاملة بين معدلات نجاح الاحتجاجات السلمية وبين الاحتجاجات العنيفة، وربما تكون دراسات الحالة اختيرت بكل بساطة عبر نوع من الانحياز التأكيدي. إذ تقول: «كنت مدفوعةً حقاً بقدر من التشكك في أن الاحتجاج السلمي يمكن أن يشكل طريقة ناجعة لتحقيق تحولات رئيسية في المجتمع».

ومن خلال العمل مع ماريا ستيفان، وهي باحثة في المركز الدولي للصراع اللاعنفي، أجرت تشينويث استعراضاً متسفيضاً حول المؤلفات التي تتناول المقاومة المدنية والحركات الاجتماعية من عام 1900 حتى عام 2006، وهي مجموعة بيانات أكدها خبراء آخرون في هذا المجال. وضعت كلتاهما في عين الاعتبار محاولات تغيير النظام. واعتُبرت أي حركة ناجحة إذا حققت أهدافها بالكامل خلال عام من ذروة مشاركتها وفي الوقت ذاته كانت نتيجةً مباشرةً لأنشطتها. على سبيل المثال، أي تغيير في النظام ينتج عن تدخل عسكري أجنبي لا يعتبر نجاحاً. وفي نفس الوقت، اُعتبرت أي حملة عنيفةً إذا تضمنت عمليات تفجير، أو خطف، أو تدمير بنى تحتية، أو التسبب في أي أذى مادي للأشخاص أو الممتلكات.

تقول تشينويث: «كنا نحاول إخضاع استراتيجية المقاومة السلمية لاختبار صعب جداً». (كانت المعايير صارمة جداً لدرجة أن حركة استقلال الهند لم تكن دليلاً على نجاح الاحتجاجات السلمية في تحليل تشينويث وستيفان؛ نظراً إلى أن تضاؤل الموارد العسكرية لبريطانيا اُعتبر عاملاً حاسماً، حتى إذا كانت الاحتجاجات نفسها أيضاً ذات تأثير كبير).

وفي نهاية العملية، جمعتا بيانات من 323 حملة ما بين عنيفة وسلمية. والنتائج التي توصلت إليها كلتاهما -والتي نُشرت في كتابهما Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict– كانت مذهلة.

القوة في أرقام
وبحسب الموقع البريطاني، تشير النسبة الإجمالية إلى أن احتمالية نجاح الحملات السلمية كانت ضعف احتمالية نجاح الحملات العنيفة: فقد أدت إلى تغيير سياسي بنسبة 53% من الأوقات مقارنة بـ 26% لصالح الاحتجاجات العنيفة.

ويُعزى ذلك جزئياً إلى القوة الكامنة في الأرقام. تجادل تشينويث بأن الحملات السلمية أكثر احتمالاً للنجاح لأنها قادرة على استيعاب مزيد من المشاركين من تركيبة سكانية أكبر، وهو ما يمكن أن يسبب اضطراباً شديداً يعطل الحياة الحضرية الاعتيادية وأداء المجتمع.

وفي واقع الأمر، من بين أكبر 25 حملة درستها كلتاهما، كانت 20 حملة منها سلمية، وحققت 14 منها نجاحات واضحة. وفي المجمل، جذبت الحملات السلمية حوالي أربعة أضعاف (200 ألف مشارك) متوسط المشاركين في الحملات العنيفة (50 ألف مشارك).

جذبت حركة سلطة الشعب ضد نظام ماركوس في الفلبين، على سبيل المثال، مليوني مشارك في ذروة نشاطها، فيما جذبت الثورة البرازيلية عامي 1984 و 1985 مليون مشارك، وجذبت الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 500 ألف مشارك.

تقول تشينويث: «الأرقام مهمة حقاً من أجل بناء قوةٍ بِطُرقٍ يمكنها أن تشكل بالفعل تحدياً جدياً أو تهديداً للسلطات الراسخة أو الاحتلال»، مضيفة أن الاحتجاج السلمي يبدو أفضل طريقة للحصول على ذلك التأييد واسع النطاق.

نظرية 3.5%
وبمجرد أن يبدأ 3.5% من إجمالي السكان في المشاركة الفعالة، يبدو النجاح محتوماً.

تقول تشينويث: «لا توجد أي حملة فشلت بعد أن حققت مشاركة 3.5% خلال ذروة الأحداث»، وهي ظاهرة تصفها بـ «حكم الـ 3.5%». وفضلاً عن حركة سلطة الشعب، تضمنت هذه الظاهرة ثورة الغناء في إستونيا أواخر الثمانينيات وثورة الزهور في جورجيا عام 2003.

تعترف تشينويث بأنها كانت مندهشة في البداية من النتائج التي توصلت إليها. لكنها تذكر الآن عديداً من الأسباب التي تُمكّن الاحتجاجات السلمية من حشد هذا المستوى من الدعم. وربما يكون أبرز الأسباب أن الاحتجاجات العنيفة تستبعد بالضرورة الأشخاص الذين يمقتون سفك الدماء ويخافون منه، فيما يحافظ المحتجون السلميون على الجانب الأخلاقي، بحسب الموقع البريطاني.

وتشير تشينويث إلى أن الاحتجاجات السلمية أيضاً تقل فيها العوائق البدنية للمشاركة. فليس هناك حاجة لأن تتمتع بلياقة كبيرة وصحة جيدة للمشاركة في إضراب، فيما تميل الحملات العنيفة نحو الاعتماد على دعم الرجال الصغار اللائقين بدنياً. وبالرغم من أن عديداً من أشكال الاحتجاجات السلمية تحمل مخاطر حقيقية -فكروا فقط في رد الصين على تظاهرات ساحة تيانانمن عام 1989- تجادل تشينويث بأن الحملات السلمية في العموم يسهل مناقشتها علناً، مما يعني أن أخبار وقوعها يمكن أن تصل إلى جمهور أكبر. على الجانب الآخر، تطلب الحركات العنيفة إمدادات أسلحة، وتميل إلى الاعتماد على عمليات سرية خفية قد تجد صعوبة في الوصول إلى عموم السكان.

ومن خلال إشراك دعم عريض من جميع السكان، تزيد أيضاً احتمالية كسب الحملات السلمية لتأييد بين صفوف الشرطة والجيش: وهي المجموعات التي ينبغي أن تعتمد عليها الحكومة مباشرة لاستعادة النظام.

كيف ينجح هذا الأمر؟
حينما يشارك ملايين الأشخاص في أي احتجاج سلمي في الشوارع، يرجح كذلك أن يخشى أفراد قوات الأمن من احتمالية وجود أبناء عائلاتهم أو أصدقائهم بين الحشود؛ ما يعني أنهم يفشلون في فرض حملة أمنية ضد الحركة. تقول تشينويث: «أو عندما ينظرون إلى الأعداد (الغفيرة) من المشاركين، فقد يستنتجون فقط أن السفينة قد أبحرت، ولا يريدون أن يغرقوا بالسفينة».

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات المحددة المستخدمة، تقول تشينويث إن الإضرابات العامة «هي على الأرجح واحدة من أقوى الطرق الفردية، إن لم تكن أقواها على الإطلاق، للمقاومة السلمية». غير أنها تأتي بكلفة شخصية، بينما أشكال الاحتجاجات الأخرى يمكن أن تكون مجهولة الهوية تماماً. إذ تشير إلى مقاطعة المستهلكين خلال عهد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حينما رفض كثير من المواطنين السود شراء المنتجات من الشركات التي يملكها البيض. وكانت النتيجة أزمة اقتصادية بين النخبة البيضاء في البلاد، ما أسهم في نهاية الفصل العنصري مطلع التسعينيات، بحسب الموقع البريطاني.

تضيف تشينويث: «يوجد مزيد من الخيارات للاشتراك والمقاومة السلمية لا تُعرِّض الأشخاص لخطر جسدي، ولا سيما عندما تزيد الأعداد، مقارنة بالأنشطة المسلحة. فضلاً عن أن تقنيات المقاومة السلمية تكون مرئية في الغالب، لذا يسهل على الأشخاص معرفة طريقة المشاركة المباشرة، وكيفية تنسيق أنشطتهم لتحقيق أقصى حد من الاضطراب».

هل هو رقم سحري؟
ثمة نماذج عمومية جداً بكل تأكيد، وبالرغم من أن نسبة نجاحها تصل إلى ضعف نسبة نجاح الصراعات العنيفة، لا تزال المقاومة السلمية تفشل في 47% من الأوقات. وبحسب ما أشارت إليه تشينويث وستيفان في كتابهما، يعود السبب في ذلك أحياناً إلى أنها لم تحظ إطلاقاً بالتأييد أو الزخم الكافي لـ «تقليص قاعدة السلطة الخاصة بالخصوم والحفاظ على المرونة في مواجهة القمع». لكن بعض الاحتجاجات السلمية الكبيرة نسبياً تفشل هي الأخرى، مثل الاحتجاجات ضد الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية خلال الخمسينيات، التي جذبت في ذروتها 400 ألف عضو (حوالي 2% من السكان)، لكنها فشلت في إحداث التغيير.

ففي مجموعة البيانات التي جمعتها تشينويث، لم يكن النجاح مضموناً إلا بمجرد وصول الاحتجاجات السلمية إلى عتبة الـ 3.5% من المشاركة الفعلية، بل إن الوصول إلى هذا المستوى من الدعم ليس بالأمر الهين. ففي المملكة المتحدة يمكن أن يصل هذا إلى 2.3 مليون شخص يشاركون مشاركة فعلية (أي تقريباً ضعف حجم سكان برمنغهام، وهي ثاني أكبر مدينة في المملكة المتحدة)؛ وفي الولايات المتحدة يعادل هذا مشاركة 11 مليون مواطن، أي أكثر من إجمالي عدد السكان في مدينة نيويورك.

بيد أن الواقع لا يزال يشير إلى أن الحملات السلمية هي الطريق الوحيد الموثوق من أجل الحفاظ على ذلك النوع من المشاركة.

نُشرت الدراسة الأولية لتشينويث وستيفان لأول مرة عام 2011، وجذبت النتائج التي توصلتا إليها اهتماماً كبيراً منذ ذلك الحين. يقول ماثيو تشاندلر، الذي يبحث في موضوعات المقاومة المدنية بجامعة نوتردام في ولاية إنديانا: «يصعب المبالغة حول مدى تأثيرهما على هذه المجموعة من البحوث»، بحسب الموقع البريطاني.

وتوافق إيزابيل برامسن، التي تدرس الصراعات الدولية في جامعة كوبنهاغن، على أن النتائج التي توصلت إليها تشينويث وستيفان مقنعة، إذ تقول: «إنها (الآن) حقيقة راسخة في هذا المجال، وهي أن الأساليب السلمية أكثر احتمالاً لتحقيق النجاح من الأساليب العنفية».

وتشير فيما يتعلق بـ «حكم الـ 3.5%» إلى أنه بالرغم من أن الـ 3.5% هي أقلية صغيرة، فمثل هذا المستوى من المشاركة الفعالة يعني اتفاق مزيد من الأشخاص ضمنياً مع القضية.

عامل التماسك مهم للغاية
ينظر الباحثون الآن إلى تفكيك مزيد من العوامل التي قد تؤدي إلى نجاح أي حركة أو فشلها. ويؤكد تشاندلر وبرامسن، على سبيل المثال، على أهمية اتحاد الصفوف بين المتظاهرين.

إذ تشير برامسن مثلاً إلى احتجاجات البحرين الفاشلة في 2011. عندما اشترك في الحملة في البداية كثير من المحتجين، لكنهم سرعان ما انقسموا إلى فصائل. وتعتقد برامسن أن النتيجة كانت فقدان التماسك، ما أدى في نهاية المطاف إلى حرمان الحركة من اكتساب الزخم الكافي لإحداث التغيير.

انصب اهتمام تشينويث مؤخراً على الاحتجاجات الأقرب إلى بلادها، مثل حركة حياة السود مهمة والحراك النسائي في الولايات المتحدة عام 2017. وتهتم أيضاً بحركة «تمرد ضد الانقراض»، التي اكتسبت شعبية مؤخراً مع انضمام الناشطة السويدية غريتا ثنبرغ. وتقول «إنهم يواجهون حالة كبيرة من الجمود. لكني أعتقد أن لديهم جوهراً استراتيجياً مدروساً للغاية. ويبدو أن لديهم كل الغرائز السليمة حول كيفية تطوير وتعلم حملات المقاومة السلمية».

وفي نهاية المطاف، نود أن تولي كتب التاريخ الخاصة بنا مزيداً من الاهتمام إلى الحملات السلمية بدلاً من التركيز الشديد على الحروب. إذ تقول: «الكثير جداً من التاريخ الذي نحكيه واحداً تلو الآخر يركز على العنف. وحتى إذا كان كارثة تامة، فلا نزال نجد طريقة للعثور على الانتصارات فيه»، مضيفة أننا بالرغم من ذلك نميل إلى تجاهل نجاح الاحتجاج السلمي.

تقول تشينويث: «الأشخاص العاديون، في كل الأزمنة، يشاركون في أنشطة بطولية تغير في الواقع الطريقة التي يسير بها العالم؛ وهؤلاء يستحقون كذلك بعض الاحتفاء وتسليط الضوء عليهم».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here