حدائق الجزائر… مساحات يتقاسمها الجمال والإهمال

ثمّة علاقة حميمة تجمع بين الجزائري والمساحات الخضراء، فهو يُشبّه البيت الأنيق بالحديقة، ويضرب المواعيد فيها، ويمنع تخريبها وتشويهها ورمي الأوساخ فيها، تماماً كما يحافظ على بيته. فهو نشأ داخل ثقافة شعبية يحكمها المثل القائل: “البايلك من داري”، والبايلك كلمة موروثة من الفترة العثمانية وتعني الفضاء العام، ما يعني أنّ الفضاء العام امتداد للبيت.

مع ذلك، فإنّ تشويهاً كبيراً يضرب واقع الحدائق والمساحات الخضراء في الجزائر في الفترة الأخيرة، من زاوية الأمن وتقلص عددها، في بلد يتوفر على 1554 بلدية، تُعدّ كثير منها تجمّعات سكنية في حكم المدن، ومن زاوية تهيئتها وصلاحيتها لأن تكون محلّ راحة السكان.
ورث الجزائريون حدائق عن الفرنسيين، بعد الاستقلال عام 1962، بعضها مصنف ضمن التراث الإنساني، مثل حديقة التجارب العلمية، في ضاحية الحامّة بالجزائر العاصمة، التي أنجزت بعد سنتين فقط من الاحتلال الفرنسي عام 1830.
وأنجز الجزائريون حدائق أخرى بعد الاستقلال الوطني، إذ يندر ألّا يُدرج إنجاز حديقة عمومية ضمن مشاريع البلديات والمحافظات، فما الذي جعل قطاعاً واسعاً من هذه الحدائق يرتبط بالخوف منها لدى قطاع واسع من السكان؟

سلطة العنف

في مدن كثيرة تتوزعها الجهات الأربع للبلاد، منها مدينة بشار في الجنوب ومعسكر في الغرب وبرج بوعريريج في الشرق والجزائر العاصمة شمالاً، يمكن للزائر ملاحظة أنّ بعض حدائقها خالٍ تماماً من الأطفال والنساء والمسنّين، فهي حكر على فئة معيّنة من الشبان المعروفين في الأدبيّات الشعبية الجزائرية بـ”العرايا”، أي المنحرفين.
يقول الإعلامي فاروق بن شريف إنّ الفئات الهشة هي التي كانت ضحية هيمنة الشبان العاطلين من العمل، ممن استغلّوا صمت السلطات، وسعيها إلى شراء السلم الاجتماعي، فبسطوا سلطتهم على الحدائق والمساحات العامة، واتخذوا منها أوكاراً خاصّة بهم. يضيف: “هذا النوع من الشبان فرض ما يُمكن أن نسمّيه سلطة الأمر الواقع، فهم يرسمون مواقف للسيارات، ويأخذون المال من أصحابها، من غير العودة إلى السلطات. وإن رفض شخص الدفع، سيجد أنّ سيارته هشمت أو سرقت”. يشير بن شريف لـ”العربي الجديد”، إلى خلفيّة أخرى لهيمنة الشبان المنحرفين على الحديقة بالقول: “ثمّة موقف نفسيّ من هذا الشاب تجاه السلطة الأبوية، سواء تعلّق الأمر بالأسرة أو بالحكومة. فكأنّه أراد القول لهم إنّه يستولي على الفضاء العمومي، الذي ترتاحون فيه، ما دمتم لا توفرون لي الراحة في البيت، أو في المرافق العامة”.


في أكثر من حديقة عامة لحظت “العربي الجديد” شباناً مقيمين بالقرب منها، يلتقون فيها لبيع وشراء المخدرات بأنواع مختلفة، وبيع وشراء الأغراض التي يسرقونها من البيوت والأسواق، مثل الأحذية والنظارات والساعات والسراويل والقبعات والهواتف النقالة والقطع الذهبية.
يقول الشاب رفيق (26 عاماً)، إنّه يواعد شركاءه في الحديقة بعد المغرب: “حيث تتحوّل إلى منطقة محرّرة تماماً، فنبيع ونشتري من بعض ونعمّر رؤوسنا، (هي العبارة التي يستعملها الجزائريّون كنايةً عن تناول الخمر أو المخدرات)، ونخطط لغزوة من الغزوات في اليوم التالي، بناءً على معلومات يأتي بها أحدنا”. يضيف: “حتّى نعطي انطباعاً للسكان بأنّ الحديقة خطيرة، فيكفون عن الدخول إليها، نقوم بتخريب الإضاءة العمومية، فيعمّ الظلام المكان، ونعتدي على البعض، كي يحذّر غيره من الاقتراب، ونتبوّل في الأماكن البارزة من الحديقة، ونرمي زجاجات الخمر الفارغة فيها، ونقتلع أو نعطل الألعاب المخصّصة للأطفال، والمقاعد المخصّصة للكبار، حتّى يصبح دخولها بلا جدوى، فيخلو لنا المكان”.

وعن تعامل الشرطة مع هذا السلوك، الذي يدخل ضمن الإخلال بالأمن العام، الذي لا تتسامح معه المؤسسة الأمنية في العادة، يقول إنّهم يعتمدون عدة تقنيات لتجنّب الاحتكاك بالشرطة، يذكر منها “إحداث ثقوب في أكثر من جهة في جدار الحديقة، حتى نتمكن من الفرار، في حال أحسسنا بمجيء الشرطة، والاستعانة بالكلاب المدربة لتنبيهنا، وتكليف أحدنا بالحراسة في مكان بارز من الحديقة”. يتدارك: “لم يعد رجال الشرطة في السنوات الأخيرة يزعجوننا”. وعن السبب، يقول رفيق، الذي يعترف بأنّه دخل إلى السجن ثلاث مرّات: “هم يتجنّبون أن يقوم الشبان بأعمال شغب في الحومة (الحيّ) وفي ملعب كرة القدم، بعدم إزعاجهم في الفضاءات التي يستولون عليها”.

شبهات والبديل ممكن

كلّ ما تقدّم جعل الحديقة العامة ترتبط في أذهان الأسر الجزائرية بالشبهة وخدش الحياء. فهي تتجنب دخولها وتوصي أطفالها بذلك. يقول العمّ عبد الرحمن (78 عاماً)، إنّ جيله بات يكتفي بالجلوس في المساجد، بعدما تحولت الحدائق العامة إلى أوكار خطيرة ومخلة بالحياء. ويعود إلى الماضي: “كنّا لا ندخل المساجد إلّا بعد سماعنا الأذان، أمّا قبل ذلك وبعده، فنقضي أوقات فراغنا في الحديقة، مصطحبين أحفادنا أحياناً”. يسأل العمّ عبد الرحمن: “أليس اعتداءً على شيخوختي أن أحرم من مكان عمومي وجد أصلاً من أجل أن يرتاح فيه السكان، مع العلم أنّ المقاهي، التي توفّر طاولات للجلوس باتت نادرة في المدينة الجزائرية؟”.


في السياق، يقول الناشط الثقافي عماد عبد السلام لـ”العربي الجديد”، إنّ ثمّة حدائق محروسة من طرف البلديّة، وأخرى مؤجّرة لبعض المستثمرين الخواص، فهي تستقطب العائلات وجميع الشرائح “لكنّها تبقى قليلة بالمقارنة مع الحدائق المهملة، بالرغم من جمالها ومواقعها الاستراتيجية المميزة”. يضيف أنّ بعض الفتيات اتّهمن في شرفهنّ فقط لأنّهن دخلن خطأً أو عن حسن نيّة إلى إحدى تلك الحدائق المهملة، “ما يثير الاستغراب أنّ معظمها يتوسّط المدن، فهي تمثّل قلبها”. ويسأل: “أليست السلطات والسكان وفعاليات المجتمع المدني مدانين بسماحهم لحفنة من المنحرفين بتحويل قلب المدينة إلى وكر للفساد السلوكي والأخلاقي؟”.

في قلب مدينة برج بوعريريج، (200 كيلومتر إلى الشرق من الجزائر العاصمة)، ظلت ساحة القلعة، على مدار عشر سنوات، وكراً شبه محتكر من طرف شبان حولوها إلى فضاء يتعاطون فيه المخدرات والجنس والتجارة بهما، بالرغم من وقوعها على بعد مئات الأمتار فقط من مركزين للشرطة.
فجأة جرى تسييج المكان من طرف السلطات التابعة للولاية، والشروع في تهيئته من جديد، إذ كشفت الأشغال، بعد فترة وجيزة، عن فضاء أخضر ضمّ مسرحاً في الهواء الطلق ومحلاً لبيع الكتب القديمة وآخر للفنون التشكيليّة وثالثاً لبيع الورود ومرحاضين، والعديد من الألعاب المخصصة للأطفال.
توافدت الأسر على الحديقة، التّي باتت تشكل رئة للمدينة، وتخلصت تماماً من صورتها المشبوهة سابقاً. يقول المصوّر خليل بن قرّي إنّه يؤمن بأنّ المسؤولية مشتركة بين السلطات والسكان، في حماية الحدائق والمساحات الخضراء. يشرح فكرته: “على السلطات تهيئة الحديقة وتسخير حراس لها، وعلى السكان الحفاظ عليها وفرض أنفسهم فيها. فسيجد المنحرفون أنفسهم مجبرين على الانسحاب إلى أوكار تليق بهم”. يختم: “حدائقنا هي مرايا لواقعنا”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here