ملاحظات الشيخ المأمون القاسمي الحسني حول المشروع التمهيدي للدستور

2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، وبفضله تتنزّل الرحمات، وبتوفيقه تتحقّق المقاصد والغايات.والصلاة والسّلام على سيّد الكائنات، سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه، ذوي الفضل والمكرمات، أما بعد؛

فقد اطّلعت على المشروع التمهيدي لتعديل الدستور، الّذي وصلتني مسودّته من رئاسة الجمهورية؛ وسجّلت بشأنه ملاحظات واقتراحات، تتعلّق بمواضيع تحظى لدينا بالعناية والأهمية؛ وأتناولها في المحاور الآتية:

01- بين يدي الدستور

02- أيّ جديد نريد في الدستور الجديد؟

03- من أجل بناء دولة الاستقلال واستكمال مقوّمات الاستقلال.

04- الإسلام، كمقوّم أساسيّ لهُوّيتنا الحضارية، وضامنٍ لوحدتنا الوطنية.

05- اللّغة العربية، باعتبارها لغة القرآن، فضلا عن كونها من أقوى عوامل وحدتنا، ومقوّمات شخصيتنا.

06- الشورى وحقوق الإنسان والحريّات العامّة.

07- من أجل مرجعية عليا للفتوى، واعتماد أسلوب الاجتهاد الجماعي.

08- تأهيل الشباب لرسالته في الحياة، باعتباره الطّاقةَ الحيّةَ في الأمّة، وعُدّةَ حاضرها ومستقبلها.

09- من أجل اقتصاد أخلاقي يحقّق الإنتاج الكافي والتوزيع العادل.

10- التمييز بين المواطنين في المجالس المنتخبة ومناصب المسؤولية.

11- من أجل أخلقة الحياة العامّة، ومكافحة الآفات والانحرافات.

أولا. بين يدي الدستور:
إنّ الباعث على ما أطرحه من أفكار في هذه الصفحات، هو الأمل في الإفادة من تراثنا الحضاريّ الحافل بالأمجاد، الزاخر بعظيم الذخائر، من القيم الروحية والعلمية والتربوية والاجتماعية، الّتي تمثّلها أسلافنا، وشادوا بها حضارة، ليس كمثلها حضارة، سادت الدنيا، وأنارتها بهداية الإسلام، وأخرجت شعوبا وأممًا من ظلمات الجهل والشرك، إلى أنوار العلم والإيمان. فإذا نحن أفدنا منها، كما أفاد منها الأوّلون، أمكننا أن نسهم بالحظّ الأوفر في الإصلاح المأمول والنهوض المنشود.

في هذه الورقة، نقدّم رؤيتنا للدستور، باعتباره المرجعية القانونية العليا للدّولة؛ يرسم إطارها ومعالمها، ويحدّد طبيعتها ووظائفها ومؤسّساتها. ومن ثمّ، فهو يعكس العقد الاجتماعي الّذي تتوافق عليه فعاليات المجتمع، ومرجعياته الدينية، ونخبه السياسية والعلمية والفكرية.

من هذا المنطلق؛ فإنّ تعديل الدستور يعتبر من أهمّ مخرجات عملية التغيير، الّتي تشهدها الجزائر، منذ بداية الحراك السلميّ المبارك، بمنطلقاته الوطنية الأصيلة، ومطالبه المشروعة؛ وفي طليعتها بناء دولة نوفمبر، الّتي ضحّى من أجلها شهداء ثورة نوفمبر.

لقد كنّا نفضّل أن يُطرح مشروع تعديل الدستور للنقاش والإثراء، في ظروف أفضل، يسودها الاستقرار، ويتوافر فيها الحدّ المطلوب من الانفتاح الإعلاميّ والتوافق السياسي؛ ويُفتح في ظلّها باب الحوار والنقاش الحرّ، لتشترك فيه فئات تمثّل نخبة المجتمع، وشخصياته الوطنية الفاعلة، بمختلف أطيافها وتوجّهاتها، وتنوّع كفاءاتها واختصاصاتها؛ حتى لا تشعر فئات من المجتمع أو نخب فيه، بأنّهم غير معنيين بالانخراط في مشروع بهذا الحجم من الأهمّية، في تحديد معالم العهد الجديد؛ وهذا ما يتطلّب روحا جديدة جامعة، قادرة على توفير مناخ إيجابي، يعطينا دستورا، لا يرتبط بالأسماء، ولا يستجيب للأهواء؛ بل يتّسم بالثبات والاستقرار؛ ويمتدّ عبر العقود، فلا يخضع للتّعديل باستمرار.

ثانيا. أيّ جديد نريد في الدستور الجديد.
إنّ الإصلاحات التي نريدها هي التي تستدرك مواطن الخلل في مسيرتنا؛ وتشمل مختلف مجالات الحياة: الاجتماعية، والثقافية، والتربوية، والاقتصادية، والسّياسية. وتتزامن مع السعي الحثيث لمكافحة الفساد، في مجتمع انتشرت فيه هذه الآفة، واستشرت في مختلف مؤسّساته. كما تهدّد كيانَه عواملُ الهدم من كلّ حجم ولون. فلا صلاح لأمرنا إلاّ بتغيير ما بأنفسنا. وتلك سنة الله؛ فَمِن دينه نستمدّ الأحكام؛ وبدعوته تستقيم الأحوال. والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ الرعد/11.

إنّ أُولى خُطواتنا في الإصلاح والتغيير ينبغي أن تبدأ بالتّصالح مع الذات، والعمل لبناء المستقبل على أسس متينة، وقواعد صحيحة، ترتكز على القيم الروحية والوطنية، التي كان تلاحمها سرَّ تماسك مجتمعنا، عبر الأجيال؛ ولاسيما في أوقات المحن والشدائد في عهد الاحتلال.

والتغيير المنشود هو الذي يحرّرنا من التبعية الثقافية والاقتصادية؛ ويمكنّنا من التصدّي لمشاريع التغريب، ومقاومة العوامل المفضية إلى الاستلاب الفكري، والاغتراب والانهزام، في مجال الثقافة والإعلام، وفي مناهج التربية والتعليم، وفي مجال المؤسّسة الأسرية، المستهدفة من المخطّطات الرامية إلى تفكيك المجتمع وطمس خصائصه المميّزة.

نريد من الصّيغة الجديدة للدستور أن تُرسي قواعد دولة الاستقلال، دولة الحقّ والعدل، دولة المؤسّسات، دولة مدنية، في إطار المبادئ الإسلامية، كما رسم معالمها وحدّد إطارها بيان أوّل نوفمبر 1954م. فينبغي إذن أن يعبّر الدستور، بصدق ووضوح، عن طبيعة الدولة الجزائرية، التي جاهد من أجلها الشعب الجزائري، وضحّى من أجلها الشهداء الأبرار.

إنّ المأمول أن يؤسّس الدستور لنظام ديمقراطي حقيقي، مقطوع الصّلة بممارسات العهد الماضي؛ يُفصل فيه بين السلطات؛ وتتحقّق فيه استقلالية القضاء؛ وتقوم فيه الهيئة التشريعية المنتخبة بدورها كاملا، في التشريع والرقابة.

ينبغي ” لدستور الجزائر الجديدة ” أن يثبّت أركان دولة الحقّ والعدل، كما يأمر بذلك الدين الحنيف. فالإسلام، الّذي يأمر بالعدل في الحكم والقضاء، يهدف في الوقت نفسه، إلى تحقيق العدل الاجتماعي؛ وهو العدل الذي يقيم مجتمعا متعاونا متكافلا، يجد فيه كلّ فرد حقّه، وينال حظّه، وتصان فيها حريته في التفكير والتعبير، ويضمن له العيش الكريم.

ثالثا. من أجل بناء دولة الاستقلال، واستكمال مقوّمات الاستقلال.
إنّ بلادنا تشهد تحوّلات تاريخية، وتمرّ بمرحلة فاصلة في مسيرتها الحافلة بالأحداث والذكريات. وهي اليوم تستعدّ لإحياء الذكرى الثامنة والخمسين لاستعادة الاستقلال، ذكرى انتصار شعبنا على جحافل الاحتلال، ودحره لطغاة الاستدمار.

لقد سعى أبناء الجزائر لبناء دولة الاستقلال، وإرساء قواعدها، وتوطيد أركانها؛ فحقّقوا إنجازات في مختلف مجالات الحياة الروحية والمادّية. وخلال مسيرة نصف قرن ويزيد، كان يُحال بينهم وبين استكمال عناصر شخصيتهم. وهكذا خرجت الجزائر، بعد استعادة الاستقلال، بواقع غريب؛ فقد تخلّصت من الاحتلال العسكري، لكنّها ظلّت تحت الهيمنة الثقافية واللغوية للأجنبيّ الفرنسيّ؛ وظلّت الرؤية الحضارية فيها محكومة بالإطار الغربيّ؛ حيث عملت طائفة مستغربة نافذة، من بقايا فرنسا، لكي تبقى هذه التبعية أبديّة. واستمرّت مناورات الفئة الناشزة، وتعاقبت خططها الماكرة، وتعدّدت مشاريعها المقنّعة والسّافرة. وهي اليوم تظهر للعيان، في الشارع المتحرّك وفي وسائل الإعلام والاتّصال. ولم يكن ذلك تجاهلا لمشاعر الجماهير واختياراتها فحسب؛ ولكنّه ظلّ يشكّل تحدّيا لشخصيتنا الوطنية، وهُوّيتنا الثقافية والاجتماعية.

لقد أكّدت الأحداث أنّ شعبنا المسلم يرفض أن يُشكّك في هُوّيته، أو يُساء إلى ثوابته ومقوّمات شخصيته. وأثبتت الأيام أنّ السّواد الأعظم من الجزائريين يتمسّكون بهُوّيتهم الإسلامية؛ ويعتزّون بانتمائهم الحضاريّ الأصيل؛ ويرفضون الفصل بين الأمازيغية والعربية، لغة وثقافة؛كما يرفضون الفصل بين الأمازيغية والإسلام، عقيدة وانتماء. وإنّ كلّ مسعى في هذا الاتّجاه الخاطئ يعدّ تزويرا للحقيقة التاريخية، وتشويهًا للهُوّية الأصيلة، الّتي صقلتها الأيام، على مدى خمسة عشر قرنا، من التمازج والتفاعل والتكامل.

إنّ الأمازيغية الّتي يريدها الجزائريون هي الّتي تشكّل امتدادًا تاريخيا لمسيرتنا الحضارية؛ ويتبنّونها، لغة وثقافة وتراثا، في كنف هُوّيتنا الحضارية الموحّدة. ومن هذا المنطلق، فهم يرفضون الدعوات العرقية، والأصوات الناشزة الّتي تتنكّر للهُوّية، بمفهومها الأصيل؛ وهؤلاء في الواقع إنّما يعملون لتنفيذ مشروع فرنسي قديم، فشل في تحقيقه الاستدمار؛ وظهر من خلاله، على امتداد عهد الاحتلال، سعيه الحثيث لمحاولة إحداث انقسامات قبلية، كان الهدف منها تهيئة الظروف الملائمة لبسط الهيمنة على شعبنا، والتمكين للوجود الفرنسي في أرضنا.

لقد كنّا ندعو باستمرار لكي تكون العلاقة بين العربية والأمازيغية علاقة تنوّع وتكامل، لا علاقة صراع وتصادم، لفائدة اللغة الفرنسية؛ ممّا ينجرّ عنه التمكين لهذه اللغة الأجنبية، وذلك ما يريده في الواقع حماة الفرنسة ودعاة المشروع التغريبي، ويعملون له ليل نهار؛ غايتهم التمكين للفرنسية، لكي تبقى مهيمنة في مختلف مجالات الحياة، ولكي تظلّ لها السّيادة في جميع القطاعات والمؤسّسات، وفي مختلف المستويات.

رابعا. الإسلام كمقوّم أساسيّ لهُوّيتنا الحضارية، وضامن لوحدتنا الوطنية:
إنّ الجزائر روحها الإسلام. به اهتدت، وبه جاهدت وانتصرت. وبه، إن شاء الله، تقيم حياتها، وتضمن وحدتها وتماسكها. الإسلام هو الضامن لوحدة شعبنا ووحدة وطننا، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. وما كان إلاّ الإسلام وحده يؤلّف بين القلوب المتنافرة؛ وما يمكن أن يجمع القلوبَ إلاّ أخوّةُ الإيمان، تَصغُرُ إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والنّعرات العرقية، والرّايات العنصرية، والثّارات القبلية، والأطماع الشخصية، والنّزعات الفردية. فكلّ شعار يُرفع ليس بمقدوره أن يجمعنا، إلاّ شعار الإسلام. بعروته الوثقى يتجمّع الصفّ، تحت لواء الله الواحد الأحد. بهذه الآصرة الإيمانية المتينة الّتي تشدّ أبناء الجزائر بعضهم إلى بعض؛ وبهذا الرباط الربّاني الّذي يربط بين قلوبهم، يتكوّن فيهم المجتمع المتعايش المتكافل؛ مجتمع يلتزم فيه الفرد، عن وعي وإيمان، بأداء الحقوق والقيام بالواجبات.

إنّ قيم الإسلام السّامية هي الّتي جعلت شعبنا يلوذ بركنه، ويعتصم بحبله؛ ويبقى على الدوام محصّنا متماسكا بقوّته. وفي ضوء هذه القيم، كانت مبادئ المقاومة والجهاد؛ ومن قَبَسِ هذه الأنوار، يستلهم شعبنا عهد الشهداء؛ ليبقى أمانة يحملها الخلف عن السلف، بوفاء، على مدى الزمان وتعاقب الأجيال.

إنّ الجزائر هي أمانة الشهداء الّتي ضحّوا من أجلها، وبذلوا كلّ غال في سبيل حرّيتها، واسترجاع استقلالها، وسيادتها. إنّها الجزائر، بوحدة شعبها ووحدة أرضها. هي الجزائر، بهوّيتها وثوابتها، ومستقبلها المأمول، في ظلّ قيمها ومقوّمات شخصيتها. هي الجزائر التي ستبقى، بإذن الله، عزيزة بعزّ الإسلام، كما كانت منذ أن استنارت بهداية الإسلام.

إنّ الدّولة، حين تُشرّع، إنّما تشرّع لشعب يتمسّك بالإسلام، منذ أن هداه الله إليه؛ فلا يبغي عنه حولا، ولا يرضى بغيره بديلا؛ ويريد أن يرى أولياء أموره على صورته؛ يؤمنون بهوّيتهم الإسلامية، ويتمسّكون بثوابت شخصيتهم الوطنية؛ ويعملون لتطهير مؤسّسات الدّولة والمجتمع من كلّ ما يتنافى مع مبادئ الإسلام وقيمه الأخلاقية؛ باعتباره دين الدّولة، كما ينصّ على ذلك دستور الدّولة.

في المادة الثانيـــة، لا يكفي النصّ على أنّ: ” دين الدولة الإسلام “؛ بل ينبغي أن تضاف إلى المادّة فقرة تنصّ على التزام الدولة بمراعاة الانسجام مع دستورية الإسلام، باعتباره دين الدّولة، في كلّ التشريعات التي تنظّم حياة الأسرة والمجتمع الجزائري. وذلك لوضع حدّ للتناقض والتضارب بين هذه المادّة الدستورية وبين واقع التشريع والتنظيم لمختلف مجالات الحياة.

خامسا.اللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن، فضلا عن كونها من أقوى عوامل وحدتنا، ومقوّمات شخصيتنا:
إنّ صلة اللّغة العربية وثيقة بالعقيدة الإسلامية، لأنّها لغة القرآن؛ حيث تلقّى المسلمون كتاب ربّهم، بلغة عربية بيّنة؛ وشرّفهم الله باختيار هذه اللغة، لتكون وعاء لكتابه، وتتحمّل وحيه وهدايته للناس أجمعين. لقد طبعها الله لغة دقيقة؛ وبنى في باطنها الاقتدار على إبلاغ دعوة القرآن، وبيان آياته، بوضوح لا يشوبه غموض. أسلوبها بيّن مبيّن، يكشف الغوامض، ويوضّح الحقائق. وقد شهد بذلك ربّ العزّة والجلال. قال تعالى:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }النحل/103. وقال سبحانه:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ على قلبكَ بلسان عَربي مبين}الشعراء/193. وقال تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.. }يوسف/2.

لقد أدرك المسلمون هذه الحقيقة، واقتنعوا أنّ واجبهم نشر الإسلام، ونشر اللغة العربية، كأشرف وسيلة تحقّق نشر دعوة الإسلام. ومن هذا المنطلق؛ فإنّ التهاون في أمر اللغة العربية يعدّ تهاونا في حقّ العقيدة الإسلامية؛ لأنّ العربية تمثّل رسالة الإسلام، عقيدة وشريعة، ونظام حياة.

في المادة الثالثة، الّتي تنصّ على: ” أنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية والوطنية للدّولة الجزائرية “: ينبغي أن تضاف إلى هذه المادّة فقرة تنصّ على التزام مؤسّسات الدّولة بالتعامل باللّغة العربية؛ والعمل لترقية تعليمها، وتعميم استعمالها، في الإدارة والتعليم والإعلام والمحيط. وذلك نظرا إلى أنّها من أقوى عوامل وحدتنا، ومقوّم أساسيّ من مقوّمات شخصيتنا؛ وباعتبارها اللغة الجامعة لأبناء شعبنا، توحّد فكرهم وخطابهم، على اختلاف لهجاتهم، وتنوّع ثقافاتهم، وتباعد ديارهم؛ فضلا عن كونها لغة القرآن، ومفتاح معرفته، واستنباط أحكامه، والوقوف على إعجازه وأسراره.

لقد سمعنا من يسألون عن الوسيلة لترقية اللغة العربية، وإحلالها المكانة المستحقّة. والحال أنّ كلّ عاقل يعلم علم اليقين أنّ حياة اللغة في استعمالها، والالتزام بالعمل بها في كلّ المؤسّسات، والتعامل بها في شتّى شؤون الحياة. وهو ما يحول دونه خصوم العربية، الّذين يخنقون أنفاسها، ويعملون ليل نهار لإضعافها، والحيلولة دون ترقيتها وتعميم استعمالها. وهكذا نحن نعيش في ظلّ هذا التناقض، بين من يقول شيئا ويفعل غيره. بين أمر يؤمن النّاس بأنّه خير وصلاح، وبين ممارستهم وسلوكهم في واقع الحياة ؟.

أمّا بخصوص الأمازيغية، باعتبارها لغة وطنية، فقد اقترحنا أن تنصّ فقرات المادّة الرابعة على: ” أن تعمل الدولة لتوحيد لهجاتها المستعملة عبر التراب الوطني، وترقيتها وتطويرها بكلّ تنوّعاتها اللسانية. كما اقترحنا أن تنصّ المادّة على: “أن تحرص الدولة على أن تكون العلاقة بين الأمازيغية والعربية علاقة تنوّع وتكامل، حفاظا على انسجام المجتمع الجزائريّ، القائم على تنوّع النسيج الثقافي والاجتماعي، في إطار الوحدة الوطنية، والمرجعية الدينية الجامعة.

سادسا. الشورى وحقوق الإنسان والحريّات العامّة.
إنّ الإسلام يهدي النّاس إلى طريق الحقّ وسواء السبيل، حين دعا إلى الشورى في القرآن الكريم. فقد خاطب الله رسوله، صلّى الله عليه وسلم، بقوله:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}. وجاء في وصف المؤمنين في كتاب الله:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}الشورى/38. ومعنى هذا أنّ الإسلام يجعل لكلّ إنسان حقّه في إبداء الرأي، حين يشعر الفرد في المجتمع المسلم بأنّه يحيا في أمّة تحترم وجوده؛ وتعتبر رأيه، وتشركه في تدبير الأمور. ولقد حرص رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، على أن يجعل أصحابه وأتباعه رجالاً أحياء يتحرّكون. يفكّرون وينتقدون ويعترضون. فلم يكونوا معه آلات صمّاء، أو أدوات خرساء؛ بل كان يعرض الأمور عليهم، ويشاورهم فيها؛ فيبدي، عليه الصّلاة والسّلام، رأيه فيما لا تشريع فيه من ربّ العالمين، كما يبدي أيّ فرد منهم. وكان أحيانا يختار رأيهم، ويترك رأيه. وكم من مواقف استمع فيها، صلّى الله عليه وسلم، إلى آراء الكبار أو الصغار من المسلمين، فرأى صوابها، وأخذ بها؛ واضعا مصلحة الأمّة فوق أيّ اعتبار. وكذلك رأينا كيف بارك جهود الشباب من صحابته، مقدّرًا آراءهم وكفاءاتهم؛ فكان يستمع منهم، ويستجيب لهم؛ وهو الّذي ربّى شخصياتهم، وأعطاهم الفرصة لإظهار مقدِرتهم وخبراتهم. فقد كان يريد أن يجعل كلّ واحد منهم صالحا للقيادة؛ حتّى إذا انفرد بأمر نهض به نهوض الأكْفاء من الرجال. وكأنّما أشار إلى ذلك في قوله الوجيز البليغ: ” المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم؛ وهم يدٌ على من سواهم “. ولقد أثمرت تلك التربية أينعَ ثمارها؛ وأخرجت للأمّة أبناء المدرسة المحمّدية الأولى، متميّزين باستقلالية لافتة، وهمّة عالية. فقد كان أولئك الأخيار يرتفعون عاليا، حتّى يمسّوا الثريا، سُموًّا ومجدًا؛ ثم تُوضع في أيديهم مقاليد الأمور، فلا يستبدّون بها، ولا يرون مسؤوليتها تشريفا، بل يرونها تَبِعة وتكليفا؛ ويؤمنون بأنّهم محاسبون أمام الله وأمام الناس على الفتيل والقطمير، وأنّ طاعتهم بالمعروف فيما هو حقّ ومشروع؛ لأنّ قانون الهُدى يقول: « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق »؛ ولذلك كانوا لا يضيقون بمناقشة أو معارضة، ولا ينفرون من حساب أو مراجعة.

في عالمنا اليوم، تُرفع شعارات يزعم أصحابها أنّهم حقّقوا بها الحرية والمساواة، وحفظوا بها حقوق الإنسان، وأقاموا بها العدل والقسط بين الناس؛ بينما واقع كثير من الشعوب هيمنة وبغي وعدوان، وانتهاك لحقوق الإنسان.

إنّ حقوق الإنسان لم تتقرّر، على أنّها نظام تشريعيّ، وواقع تطبيقيّ، إلاّ في مظلّة الإسلام؛ وذلك في صريح نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فقد أعلنها الإسلام مبدأ عاما، في نظامه وعلاقاته مع الأمم والشعوب الأخرى، وأتباع الأديان السّابقة؛ وجعلها إحدى ركائز التشريع الإلهي، ومن قواعد الأخلاق ونظام القضاء، ومنهج الحياة الإنسانية، في الرّبع الأخير من القرن السادس الميلادي. وكان للإسلام فضل السّبق والإعلان والتطبيق لهذه الحقوق الاجتماعية، ودعوة النّاس قاطبة إلى إقرارها ووجوب احترامها؛ وذلك قبل ظهور هذه الفكرة والدعوة إليها، في القرن الثامن عشر الميلادي، الّذي وصف بأنّه قرن حقوق الإنسان؛ وقبل صدور وثيقة حقوق الإنسان، سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وألف (1948م).

إنّ من أبرز الخصائص الذاتية للحضارة الإسلامية أنّها ربّانية المصدر والغاية، إنسانية النزعة والتوجّه. موضوعها الإنسان وهدفها الإنسان. فهي بحقّ حضارة رسالة ومسؤولية؛ حضارة أمّة تخدم دينها بخدمة الإنسانية.

أمّا الحريات العامّة، الفردية والجماعية، فالمتأمّل في منظومة القيم الإسلامية يجدها مقيّدة بمعايير أخلاقية، والحدود الّتي تنضبط بها الحرّيات هي حدود الحقّ والخير: حقّ الفرد والأسرة والمجتمع، وخير الفرد والأسرة والمجتمع.

وأمّا الحرّيات المغشوشة الّتي تسوّق لمجتمعاتنا، فهي حرّيات مسمومة، يراد لنا أن نتردّى بها إلى هاوية المجتمعات المنحلّة، الّتي تعيش في ظلال حضارة ماديّة، وفّرت للإنسان الرفاه المادّيّ، وتتجاهل المصير الأخروي؛ كما جاء في ذلك قوله تعالى:{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }الروم/7.

إنّ ذلك هو شأن الحضارة المعاصرة، الّتي قدّمت للبشرية ما قدّمت من علوم ومعارف وتقنيات؛ ولكنّها أهملت جوهر الإنسان؛ حيث تجاهلت روحه ووجدانه؛ بل تجاهلت فطرته الّتي فطره الله عليها؛ وجعلت منه آلة خاوية من معاني الرّوح والإيمان. وبلغ الانحلال، في بعض بلدان الغرب مداه، حين أقدمت على سنّ قوانين تشرّع للشذوذ والانحراف؛ وتشيع في الناس الفاحشة؛ وتزيّن لهم الشهوات البهيمية؛ وتنشر فيهم الرذيلة والإباحية.

نحن لا نتجاهل الجوانب الإيجابية في الحضارة الغربية؛ ولكنّنا نرى أن تأخذ منها أمّتنا ما يفيدها في بناء حياتها، وتحقيق تقدّمها وازدهارها؛ وتترك ما يضرّ بمصالحها، أو يهدّد هوّيتها ومقوّمات شخصيتها. فنحن ندرك أنّنا طرف في صراع حضاريّ غير متكافئ، وأنّ العولمة واقع فرض نفسه على العالم؛ ولا مناص من اعتبار منطق هذا الواقع الذي تشتدّ ضغوطه وتتعاظم مخاطره، يوما بعد يوم؛ ولكنّ ذلك لا ينبغي أن يثنينا عن السعي لتحقيق التفاعل الإيجابي مع الغير، والتفتّح السليم عليه، والاستفادة الحكيمة مما لديه، والإصرار على إظهار ما عندنا ممّا هو حقّ لا يمكن التغاضي عنه ولا المساومة فيه.

سابعا. من أجل مرجعية عليا للفتوى، واعتماد أسلوب الاجتهاد الجماعي.
اختلفت الآراء، وتعدّدت الملاحظات، بشأن ” الفتاوى” الّتي ظهرت الحاجة إلى استصدارها، في الآونة الأخيرة، عندما حلّت “جائحة الكورونا ” ببلادنا، وانتشرت في العالم من حولنا. فقد رأينا البعض يخالفون هذه الفتاوى، فيما انتهت إليه؛ مع العلم أنّها مؤصّلة، وصدرت عن نخبة من الفقهاء المشهود لهم بالعلم والورع. وانصبّت جلّ الانتقادات على الإطار الّذي اختارته وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لإصدار الفتوى؛ ألا وهو: ” اللجنة الوزارية للفتوى “. فهذا العنوان يجعلها، في نظر الملاحظين، تكتسي “طابع الإدارة الرسميّ “؛ والأحرى في تقديرهم أن تتحلّى الفتوى بالاستقلالية، وتكتسي “طابع العلم الشرعيّ “.

هكذا يرى النّاس واقع الفتوى في بلادنا؛ في ظلّ فراغ سّببه غياب ” هيئة للفتوى “، مضى على تقديم مشروعها عشرون عاما؛ ومازال حبيس الأدراج. ويرى البعض أنّ الفراغ، في مجال الفتوى، ناجم عن تقصير المجلس الإسلامي الأعلى، منذ عهدته الأولى، في دراسة النوازل والمسائل المستجدّة؛ وإصدار الرأي الشرعيّ بشأنها؛ مع أنّها من صميم المهام الّتي أُنشئ من أجلها.

لقد كنتُ أبديتُ رؤيتي لرسالة المجلس، كما أفهمها؛ وسجّلتُ ملاحظاتي بشأنها، وأنا أواكب مسيرته، منذ بداية عهدته. ومما قلته في مناسبات مختلفة:

“إنّ مسؤولية المجلس الإسلاميّ الأعلى ربّانية، وأعماله أمانة الله بين أيدي أعضائه، وبين أيدي من بأيديهم تمكين هؤلاء الأعضاء من تحمّل المسؤولية، وأداء الأمانة. ولا يتحقّق ذلك، في تقديري، إلاّ بإصلاح وضعية المجلس، وإعادة النظر في نصوصه التّأسيسية ومراسيمه التنظيمية، بما يتلاءم مع مهامّه العلمية، ومكانته الدستورية”

وإذا تبيّن للمُشرِّع أنّ ” صيغة المجلس الإسلامي الأعلى “، هي الصيغة المثلى، والإطار الملائم لمرجعية الفتوى؛ فإنّني أقترح النصّ على ذلك في مشروع الدستور الجديد، ضمن الأحكام المتعلّقة بالمجلس، لمزيد من البيان لصلاحياته؛ ولا سيما في مجال الفتوى؛ ثمّ إعداد مشروع قانون عضويّ، ينصّ على اعتماد صيغة الاجتهاد الجماعي، في إطار المجلس الإسلاميّ الأعلى؛ ويعتبره المرجعية العليا للفتوى؛ ويحدّد صلاحياته بوضوح، ويفصّلها بدقّة؛ بالرجوع إلى ما ورد في نصّ ” مشروع دار الإفتاء”؛ بعد إعادة الدراسة ومزيد من الإثراء.

ثامنا.تحصين الشباب، وتأهيله لرسالته في الحياة، باعتباره الطاقة الحيّة في الأمّة، وعدّة حاضرها ومستقبلها.
إنّ الشباب في الأمّة هم الفئة المأمولة، في حاضرها ومستقبلها، بما لديهم من مواهب وطاقات، وما يملكون من إمكانات وقدرات؛ إذا اعتنينا بتكوينهم، وأحسنّا تربيتهم. إنّهم في الأمّة عصب الحياة؛ فإذا صلحت هذه الفئة، سعدت بهم أمّتهم، وحقّقت نهضتها على أيديهم. والشباب الذي تنهض به الأمّة، ويُعتَبر عدّة حاضرها، وعمدة مستقبلها، هو الشباب الذي تسلّح بالعلم والمعرفة، وتحلّى بالأخلاق، وتزيّن بالإيمان.

إنّ المنهج التربويّ الّذي ندعو إليه، هو المنهج الذي يحصّن الأجيال بركن الإسلام، ويؤهّلنا للنهوض المنشود، ويجعلنا قادرين على مواجهة تحدّيات الحاضر والمستقبل. إنّه المنهج الّذي يُعنى ببناء الإنسان، وتكوين المواطن الصالح؛ ويغرس في النشء حبّ الوطن، وحبّ الخير وحبّ العمل.

إنّ وصف المؤسّسات التربوية بالحيادية، كما جاء في محور الحقوق الأساسية والحريات العامة، قد يفسّره التيار الفرنكوفيلي، وحملة الفكر العلماني، حسب هواهم؛ ممّا يوجب التّوضيح بأنّ حياد المدرسة يعني، على وجه التحديد، تجنبيها أيّ انتماء حزبي، وإبعادها عن تأثيرات أيّ تنظيم سياسي.

أمّا تربية الأجيال تربية إيمانية متكاملة، تُنشّئهم على الفضيلة والاستقامة؛ وتزرع في نفوسهم القيم الروحية والخلقية؛ وترسخ فيها الروح الوطنية؛ فذلك من أوكد الواجبات، الّتي تنهض بها المدرسة، وينبغي أن توليها كبير العناية والاهتمام.

فلا خير في علم لا يُكسى بالأخلاق؛ كما أنّه لا فائدة ولا جدوى من تربية لا تنشئ جيلا صالحا، ولا تُثمر عملا صالحا.

إنّ المؤسّسات التربوية والتعليمية هي محاضن الأجيال؛ وهي لها الحصن الحصين، تكمن فيها حماية الأّمّة، والحفاظ على أصالتها ومقوّمات شخصيتها. فهي تحتضن ثروة الأمّة البشرية، الّتي هي عدّتها وعماد مستقبلها، وشرّ ما يطرأ على هذه المعاقل والحصون، أن تؤتى من قبل من وُكل إليهم رعايتها وترقية رسالتها، حين يفتحون الأبواب الخلفية، ليتسلّل منها المتلصّصون في غفلة من الأمّة.

فنحن نريد من المدرسة أن تثقّف أبناءنا بالثقافة الحقيقية الّتي تتطلّب يقظة الوعي، وصفاء الروح، حتى تصبح حياة الفرد مصداقا لأفكاره؛ فيعيش داخل مجتمعه يحمل عقلا راشدا، وفكرا سويا وضميرا حيّا.

نريد من مؤسّساتنا التربوية والتعليمية أن تعزّز الشعور بالانتماء الحضاريّ لدى الأجيال، حتى لا ينقلب شباب الأمّة خصما لدينه ووطنه، أو يتنكّر لهوّيته ومقوّمات أمّته.

لقد كان أكبرَ همّنا العناية بتربية النشء؛ على منهج الوسطية والاعتدال؛ وحماية الأجيال من تيارات الغلوّ والتشدّد. كما أنّ من أكثر الأولويات إلحاحا حماية الأجيال من التيار التغريبي الّذي يسعى دعاته إلى تمييع شبابنا واغترابهم، وإفساد أخلاقهم، والعمل لكي ينشأ في الأمّة جيل لا يحفل بدينه، ولا يقيم وزنا لقيمه وأخلاقه.

تاسعا.من أجل اقتصاد أخلاقي يحقّق الإنتاج الكافي والتوزيع العادل.
يعتبر النظام الاقتصادي الإسلامي منهجا متكاملا، يجعل من العمل والإنتاج مطلبا دينيا، وركيزة أساسية لعمارة الأرض، وتحقيق الاستخلاف فيها. ومن أهمّ خصائصه أنّه اقتصاد أخلاقي، يُعْنَى بالدوافع والمقاصد والمآلات. ومن شأن الالتزام بتشريعات الإسلام لهذا النظام أن يؤدّي إلى تحقيق الإنتاج الكافي والتوزيع العادل، وبناء مجتمع العدل والكفاية والتكافل.

ومن هذا المنطلق، اقترحنا أن يضع المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الّذي نصّ عليه المشروع التمهيدي، ضمن أولوياته، السعي لتحقيق الأهداف الآتية:

– العمل لنشر أخلاق الإسلام في المنظومة الاقتصادية؛ وتطهير الأداء الاقتصادي من الممارسات الخاطئة، والأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية، ومن كلّ صور أكل أموال الناس بالباطل؛ وعلى رأسها الغرر والرّبا والرّشوة؛ إلى آخر المخالفات التي تمارس في النشاط الاقتصادي؛ إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا.

– إنشاء المزيد من المصارف الإسلامية والشركات الاستثمارية، التي تقوم على قاعدة المشاركة في الربح والخسارة، بديلا عن المداينة بالفائدة.

– إنشاء المزيد من شركات التأمين التعاوني التكافلي؛ وتشجيع هذا التأمين ليكون بديلا عن التأمين التجاري المشوب بمخالفات شرعية.

– إصدار تشريع يتلاءم مع طبيعة المؤسّسات المالية الإسلامية وخصوصيات طبيعة العمل المصرف الإسلامي؛ تشجيعا للمصرفية الإسلامية، وتعزيزا لدورها وقدراتها، لتستجيب لمتطلبات السوق المصرفية وحاجاتها المتزايدة؛ ولتستطيع مواجهة التحدّيات التي تتعاظم، في ظل التنافس الشديد، وقوانين منظمة التجارة الدولية.

وإذا كنّا في الجزائر، نرحّب بصدور نصّ تشريعيّ يتضمّن أحكامًا خاصّة بالصيرفة الإسلامية، ضمن قانون النقد والقرض؛ فإنّنا مازلنا نرى ضرورة إصدار نظام قانوني متكامل، خاصّ بهذه الصيرفة المتميّزة؛ فذلك في تقديرنا هو ما يمكّن الصناعة المالية الإسلامية من تطوير منتجاتها، وتنويع استثماراتها.

إنّ كلّ المؤشّرات والدّراسات الموضوعية تؤكّد أنّ المصارف الإسلامية تمكّنت من تجاوز العقبات، وإرساخ موقعها في السّاحة المصرفية؛ وذلك بالرّغم من العوامل التي تحدّ من نشاطها، وتعوق مسيرتها؛ وفي طليعتها المنظومة القانونية السّائدة، والتّشريعات الّتي وضعت أصلاً لتُلائم تطبيقات البنوك التقليدية.

عاشرا. التمييز بين المواطنين في المجالس المنتخبة ومناصب المسؤولية.
إنّ تمييز المرأة في إسناد مناصب المسؤولية، وفي العملية الانتخابية، بفرض حصّة معلومة لها في مختلف المجالس المنتخبة؛ والتّشريع لذلك، بنصّ القانون، استدعى ملاحظات، كنّا قدّمناها، في ربيع 2011م، في إطار المشاورات الّتي جرت بشأن إصلاحات، عُرضت علينا مشاريع قوانينها. وممّا ذكرناه، بهذا الصدد:

– يخالف هذا الإجراء المبدأ الدستوري الّذي ينصّ على المساواة، بين الرجل والمرأة، في الحقوق والواجبات.

– يخالف مبدأ الممارسة الديمقراطية؛ ويحدّ من حرية الاختيار للناخبين والناخبات.

وتجدر الإشارة، في هذا السّياق، إلى أنّنّا كنّا حذّرنا من احتمالات تردّي مستوى التمثيل والأداء، في المجالس النيابية، وفي مختلف المؤسّسات، في حال إقرار مشروع استعمل ورقة للمقايضة في سوق السياسة. وما كنّا خشيناه هو ما شهدناه، في العشرية المنصرمة؛ حيث أصبح البرلمان الجزائريّ، مع الأسف الشديد، موضوع سُخرية واستهزاء!.

وفي تقديرنا أنّ الحكمة والمنطق السليم يقضيان بأن يكون الاختيار لأيّ عمل أو وظيفة انتخابية مبنيا على معايير أخلاقية ومقاييس موضوعية؛ وأن تكون الأهلية لأيّ مسؤولية، سواء تعلّق الأمر بالرجل أو بالمرأة، مقياسها الكفاءة والأحقّية، والقدرات التنافسية. دون أن ننسى ضرورة مراعاة الاختيار الحرّ لمن ينتخبون الرجال والنساء، في مختلف المجالس النيابية، على حدّ سواء.

إنّنا أحوج ما نكون إلى التمسّك بالمؤسّسة الأسرية، والعضّ عليها بالنواجذ؛ باعتبارها أساس المجتمع؛ ويتعيّن علينا، العمل بصدق، للتحرّر من ذهنية المطالبة بالحقوق، بين الرجل والمرأة، لأنّها ذهنية أفرزتها أوضاع الحضارة الغربية؛ فهي غريبة عنّا، وعن حضارتنا، وعن قيمنا وأخلاقنا.وعلينا أن نستبدل التجاذب القطبي بين الخضوع لعادات وتقاليد ليست من جوهر الإسلام، وبين ما هو وافد من نتاج الحضارة الغربية.

المحور الحادي عشر. من أجل أخلقة الحياة العامّة، ومكافحة الآفات والانحرافات.
في تعليقنا على المحور الخامس، بعنوان: ” الشفافية والوقاية من الفساد “، اقترحنا أن تعزّز المادّة التي تحدّد وظائف ” السلطة الوطنية العليا للوقاية “، بفقرة تنصّ على: ” أن تعمل هذه السلطة، بحزم وصرامة لمكافحة الفساد وسائر أنواع الآفات والانحرافات، الّتي تظهر في مختلف المؤسّسات “.

وذكّرنا بهذا الصدد بما علمناه من حال فئات من المواطنين يتطلّعون إلى عدالة اجتماعية حقيقية، تتكافأ في ظلّها الفرص بين أبناء الوطن؛ وتُصان فيها الحقوق والحريات؛ وتكفل فيها الحياة الكريمة. وما لاحظناه أنّهم يربطون الأوضاع السّيئة التي يشتكون منها بمنظومة الفساد المستشري، بمختلف ألوانه، في كلّ القطاعات والمؤسّسات، وفي شتّى المستويات؛ ويندّدون بتفشّي ظاهرة إهدار المال العام، وتبديد الثروات؛ ويتطلّعون إلى إجراءات يتعيّن على الدّولة أن تتّخذها، وتنفّذها بحزم وصرامة، لمكافحة هذه الآفة، الّتي يتفاقم ضررها، ويتعاظم شرّها وخطرها.

لقد أصبح لزاما علينا العمل لأخلقة الحياة العامّة، في ميادينها المختلفة، ومحاربة الفساد ومكافحة الآفات والانحرافات؛ تنقية البيئة الإعلامية والثقافية والاجتماعية، وتطهيرها من العابثين بأخلاق الأمّة، ومقدّراتها الّذين يعيثون في مجتمعهم فسادا، بلا ضابط ولا زاجر، ومن غير وازع ولا رادع.

إنّ هذه الآفات يجب أن يفزع لها المصلحون؛ ويعجّل بدرء خطرها أولياء الأمور؛ فهم القادرون على إيقاف هذا الزّحف الهائل من الفساد، الذي يعّرض الأمّة كلّها لسخط الله العاجل، قبل الآجل؛ وإن الله لَيَزعُ بِالسُلطان مَا لاَ يَزعُ بالقرآن!.

إنّ الوقاية خير من العلاج؛ والحذر من مواطن الخطر أجدى من محاولة النجاة منها، بعد الوقوع فيها. وإنّ ممّا عرف من حالنا أنّنا لا ننتبه للضّرر، إلاّ بعد استفحال الخطر؛ ولا نبحث عن العلاج والدّواء، إلاّ بعد تحكّم العلّة وانتشار الدّاء.

إنّنا، في هذا المنعطف التاريخيّ نتطلّع، كسائر أبناء الجزائر، إلى بناء دولة الحقّ والعدل، دولة ترفع فيها للحقّ كلمتُه، وتعلو رايته؛ دولة تمتدّ في ظلالها يدُ الإصلاح لكي تمسح آثار الفساد، وتنقّي المجتمع من أشواك الجاهلين، وانحرافات المفسدين، وتَصدُّ عن شعبنا مكايد الأعداء وشرّ الحاقدين.

إنّ أملنا وطيد في أن تمتدّ يد العدالة الرشيدة، لتعيد الحقّ إلى كلّ مظلوم أو مهضوم، وتنصف كلّ مغبون أو محروم. نريد حسابًا عادلاً لكلّ مقصّر ومفرّط، وعقابا رادعًا لكلّ باغ ومفسد. ولا نريد الاستجابة للأهواء، ولا لشهوات الانتقام؛ بل نريد استجابة لله وللرسول، إذا دعانا لما يحيينا؛ كما جاء في قوله تعالى لعباده المؤمنين:{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}المائدة/8.

الخلاصة: ليس القصور في النّصوص؛ ولكنّ الخلل في الممارسة وتطبيق النّصوص.

وخلاصة القول: إنّ حرمة الدستور والترجمة الأمينة لمبادئه وأحكامه، ولكافّة القوانين والنصوص الأساسية، هي مسؤولية أولياء الأمور، كلّ من موقع عمله ودرجة مسؤوليته.

إنّ كلّ إصلاح يُنْشَد، وكلَّ مشروع يُنْجَز، إنّما يكتسب معناه، ويحقّق جدواه، بفضل السهر الواعي على التطبيق السليم الحازم، والممارسة العملية الصحيحة. فما نلاحظه في الواقع أنّ هناك تناقضا بين مضامين النصوص القانونية، والممارسة الميدانية؛ حيث لا يجد القانون، في بعض الأحيان، سبيله إلى التطبيق الصحيح؛ ممّا أحدث شرخا وفجوة بين المواطن والمؤسّسات الّتي وضعت لخدمته. فلم يعد يكترث للوعود المسداة إليه، ولا للمشاريع المطروحة لمصلحته.

هذا، والله من وراء القصد؛ نسأله تعالى أن يجعل يومنا خيرًا من أمسنا، وغدنا خيرًا من يومنا؛ وأن يحفظ لبلادنا وحدتها وأمنها واستقرارها، ويوفّق ولاة أمورها لما يحبّ ويرضى، ويأخذ بنواصيهم للبرّ والتقوى. كما ندعوه، عزّ وجلّ، أن يجمع قلوبنا على التقى، ونفوسنا على الهدى، وعزائمنا على الرشد، وعلى حبّ الخير وخير العمل؛ وأن يمنّ علينا بدوام التوفيق والسّداد، ويسلك بنا جميعا سبيل الهداية والرشاد. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here