الجيش في قلب النقاش السياسي

ثلاثة تصريحات “نارية” صدرت عن وزارة الدفاع في ظرف أسبوع واحد، تم من خلالها تحذير وتذكير العسكريين المتقاعدين بـ “واجب التحفظ”، واستعملت فيها “كلمات” شديدة اللهجة غير مسبوقة من قبل في أبجديات لغة “الصامتة الكبرى”. فما الذي أغضب قائد الأركان إلى هذه الدرجة التي جعلت المؤسسة العسكرية تجد نفسها في لب النقاش السياسي في البلاد؟

أعادت تصريحات وزارة الدفاع اتجاه كتابات لعسكريين متقاعدين في وسائل الإعلام، المؤسسة العسكرية إلى دائرة النقاش السياسي بعدما تراجع ذلك وإلى حد بعيد في خطابات الأحزاب السياسية، ومرد ذلك لا يعود لكون قيادة الجيش ردت على مستخدميها السابقين المتقاعدين وتذكيرها لهم بضرورة التزام واجب التحفظ المنصوص عليه في القانون، وإنما بسبب استعمال مصطلحات غير مألوفة في منظومة دفاع “الصامتة الكبرى” وبشكل جعل الطبقة السياسية، خصوصا المعارضة، تضبط عقارب ساعتها وتوجّه آذانها باتجاه “طاقارا” لفك شفرة هذه التصريحات الشديدة اللهجة لمعرفة ماذا وراء “كثافة إطلاق النار” ومن هي الجهة المستهدفة في خط الرمي. رغم أن تحذيرات وزارة الدفاع كانت موجّهة خصيصا إلى عسكريين متقاعدين دون ذكر أحد بالاسم، غير أنها تحوّلت إلى ما يشبه نشرة جوية لمعرفة جهة “هبوب الرياح”، حيث طويت كل “المبادرات السياسية” التي كانت تعج بها الساحة، على غرار “التوافق الوطني” و”التمديد” و”ندوة وطنية” وغيرها، بعدما فهمت قيادات الأحزاب من ذلك بأنه “إيذانا” بانتهاء فترة “الاستراحة” لكل تلك “الاجتهادات الحزبية” التي سعى أصحابها معرفة ما يطبخ داخل الغرف المغلقة للنظام. وإذا كانت بعض الأحزاب قد سارعت إلى نفض الغبار عن طرحها القديم بخصوص “حياد” المؤسسة العسكرية خلال المواعيد الانتخابية المقبلة، إلا أن أحزاب أخرى، على غرار حزب العمال رأت في تلك التصريحات زجّ بالمؤسسة العسكرية في قلب النقاش السياسي.

ولم تكن حنون مجانبة الصواب، إذ تركزت خطابات الأحزاب من يومها في تجمعاتها ولقاءاتها مع مناضليها، بالحديث على مؤسسة الجيش وعن مهامها الدستورية، وتفرقت الآراء ووجهات النظر حول نفس القضية، وفي ذلك مؤشر على أن قدسية “الصامتة الكبرى” آخذة في التراجع وسط السياسيين، ربما بناء على تجارب حدثت في الانتخابات السابقة، ولذلك انتقل الأرسيدي بمعية “عهد 54” إلى المطالبة بـ “الحياد الفعلي”، مما يؤشّر مستقبلا بصعوبة إقناع الطبقة السياسية بـ “الضمانات” المطلوبة في المواعيد السياسية، ولعل ذلك وراء ما ذهب إليه رئيس حمس بعدم المشاركة في الرئاسيات إذا ترشّح الرئيس لعهدة خامسة.

صحيح أن الجيش ظل تاريخيا يصنع الرؤساء ولا يمكن أن يكون بعيدا عن قول كلمته فيمن سيكون قائدا أعلى للقوات المسلحة، لكن ما ورد في تصريحات وزارة الدفاع من تحذيرات إزاء مستخدميها العسكريين المتقاعدين، أثار حالة من القلق لدى السياسيين والشارع عموما الذين رأوا في ذلك تحوّلا في تقاليد “الصامتة الكبرى” التي دأبت على تذويب خلافاتها داخليا وعدم خروجها للعلن، وهو أمر يطرح أكثر من علامة استفهام لماذا لم يعد الصمت من ذهب؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here