هجوم من باريس على الإسلام في الجزائر!

2

نقلت بعض وسائل الإعلام الفرنسية والمغربية تحديدا أخبارا مشوّهة عن تظاهرة في باريس الأحد الماضي، ارتادها المئات من أفراد الجالية الجزائرية، حسب زعمها، مع أنّ عدد المشاركين كان في الواقع جدّ محدود، بل يكاد يكون مهملاً، قياسا إلى حجم المغتربين الجزائريين في فرنسا.

إلى هنا يبقى الخبر عاديًا، طالما أن الجزائريين يتظاهرون في الداخل والخارج منذ 22 فبراير 2019، لكنّ الوجه الآخر في الحدث هو محلّ المغالطة الكبرى والتزوير المفضوح والمسعى المغرض لهؤلاء، أو على الأقل المشرفين منهم على تنظيم الوقفة، حيث تظاهر المتحدثون باسم المسيرة برفع مطالب تخصّ التغيير الديمقراطي وتأييدهم المزعوم لشعارات الحراك في الجزائر.

وعمدوا في سبيل ذلك إلى رفع شعارات معروفة المشْرب التاريخي والتوجه الإيديولوجي اللائكي الاستئصالي، من قبيل “ارحل” و”نظام قاتل”، كما استعملوا شعار “من أجل الإفراج عن جميع الصحفيين ومعتقلي الرأي”، بهدف واحد، وهو التمويه المألوف للرأي العام في تحركاتهم الموجهة حصريّا لخدمة الأجندات العلمانية المتطرفة، وحتى الأفكار الانفصالية لبعض المغرر بهم من قبل الأطراف المعادية للجزائر، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني ومن يشتغل في فلكه إقليميّا.

لقد فضحت توجهات الجمعيات المؤطرة للتظاهرة المشبوهة، وكذلك رموزها وشعاراتها وراياتها، المهمّة الحقيقية والخلفية الفعليّة لمن تحركّوا في الخفاء لتجنيد عشرات المغتربين تحت غطاء الحراك البراء من مآربهم وأفكارهم، بينما نأى ملايين الجزائريين هناك بأنفسهم عن الوقوع في فخ الاستدراج للنيل من هويتهم الوطنية.

ذلك أنّ تصريحات متكلّمين باسم المتظاهرين فضحت المستور من الأجندات الخفيّة، فقد تحدثوا علنا عن ضرورة إلغاء قانون الأسرة الذي يعتبرونه غير منصف للمرأة، طالما يستند في قواعده الأساسية وأحكامه الرئيسة على الشريعة الإسلامية وفق هوية الشعب الجزائري، في وقت زعموا الخروج في باريس من أجل التنديد بالفساد في الجزائر!

للإشارة، فإنّ تجمّع ما يسمّى “القطيعة المزدوجة: لا عسكريين… لا إسلاميين”، من رؤوس الحربة في تظاهرة باريس الفاشلة، فهذا الأخير عنوانه يدل عليه، إذ ليس المقصود منه إطلاقا هو محاربة النظام العسكري، لأن الجزائر تعيش في كنف نظام جمهوري مدني، مهما كانت نقائص التجربة الديمقراطية، بعد ما سقطت السلطة الفعليّة التي تحالفوا معها تاريخيّا على حساب الديمقراطية، إنما يزعجهم مرابطة المؤسسة الرئاسية والعسكرية على ثغور الهوية والوحدة الوطنيتين، بينما يحلم هؤلاء في الوصول مجددا إلى كرسي الحكم على ظهر الدبابة لتنفيذ أجنداتهم التغريبية لعلْمنة وفرْنسة المجتمع الجزائري دون إرادة انتخابية منه، وطالما ظل ذلك أمرا مستحيلاً واقعيّا فهم يناصبونها العداء الأزلي.

أما ما يتعلق بمعاداتهم للإسلاميين، فموقفهم لا يتوجه إلى الأشخاص، بل إلى الأيديولوجيا، فكل خوفهم هو أن يبقى الإسلام دين الدولة والأحوال الشخصية محكومة بأحكام الشريعة، ويزيد اعتماد الحكومة الجزائرية لصيغ الصيرفة الإسلامية في النشاطات البنكية من جنونهم، لأنهم يعادون كل ما له علاقة بدين الشعب الجزائري الذي يرون في التمسك بكليّاته ومقاصده رجعيةً وتخلفًا عفا عنها زمن الحداثة الماديّة، وفق وهمهم الكبير.

مهمة قذرة قديمة ومتجددة

ينبغي أن يكون واضحا للرأي العام أن استهداف قانون الأسرة الجزائري في هذا التوقيت بالذات، أي ضمن سياق التعديل الدستوري، هو تحرك محسوب بالدقة للضغط من أجل المساومة والابتزاز، باسم الحراك الأصيل المبارك، لتحقيق مطالب شاذة ومرفوضة من المجتمع الجزائري، وعلى رأسها إسقاط مادة الإسلام دين الدولة وما يتبعها من تشريعات تنطوي تحتها.

كما أنّ اتخاذ باريس، راعية حركة الانفصال، وأبواق التطرف اللائكي الاستئصالي، كمنطلق لهذه المطالب الضيقة، يؤكد المسعى الحقيقي من وراء تلك التحركات المضللة والتي لا هدف لها سوى فرض أيديولوجيتها التغريبيّة على الأقلية المجتمعية خارج الآليات الديمقراطية المتعارف عليها، لأنّ عقلهم السياسي الباطن لم يستوعب حتى الآن ما حصل في بلادنا من تغيير وإصلاح سيقودها إلى ميلاد “جزائر جديدة” قريبا، فهؤلاء توقفت بهم عجلة التاريخ عند منتصف التسعينات من القرن الفائت، فبقي حنين الدم والدموع يشدّهم إلى مكاسب العشرية السوداء ومغانمها المغتصبة، يوم سادُوا ماديّا وساسُوا البلد إداريّا، مع أنهم أقلية لا أثر لها في ميزان الديمقراطية المفترى عليها اليوم.

إن ما تسعى إليه الأطراف المخططة من وراء الستار العلماني الانفصالي لمثل هذه التظاهرات المغرضة هو امتداد طبيعي لنضال تغريبي لم ينقطع منذ 1984 بكل وسائل المكر والخبث ضد قانون الأسرة الجزائري، لأنّ حلم هؤلاء هو تفسيخ الأسرة وتفكيكها بإسقاط الولاية الشرعية للأب في الزواج، وتكريس الصراع الزوجي، وبالمقابل شرعنة زواج المثليين باسم الحريات الفردية، والمساواة في الميراث، وغيرها من أهواء الانحلال، وبالمحصلة فصل الدين الإسلامي عن حياة المجتمع الجزائري وعزله من الفضاء العام كاملاً.

مسيرة الإصلاح لن تتوقف والحكم للتاريخ

لا شكّ أن الجزائريين الصادقين الأحرار، في الداخل والخارج، وفي كل المواقع، داخل منظومة الحكم وخارجها، هم من يحملون على عاتقهم همّ التغيير الوطني والإصلاح المنشود، وقد انطلق قطار الجزائر الجديدة عبر المسار الدستوري الانتخابي وبالحرب الضروس على بؤر الفساد، واليوم يناقش الجزائريون بحرية وتفاؤل مشروع الدستور الذي سيؤول إلى الاستفتاء العام، باعتبار الشعب هو مصدر السلطة التأسيسية وتعود إليه الكلمة الفصل بين جميع المختلفين، وتلك هي قواعد الديمقراطية التي لم يلتزم بها يومًا في مسارهم الأسود أمثال هؤلاء من المتمسّحين كذبًا بالحراك.

وبعد تاريخ الفاتح من نوفمبر المقبل، موعدٌ سيكون محطة لتجديد الوطنية الجزائرية تيمّنًا بثورتنا المباركة، ستنطلق ورشات الإصلاحات القانونية قبل الذهاب نحو تجديد المجالس المنتخبة برلمانيا ومحليّا، بما يعبر عن الإرادة الشعبية النزيهة، بالموازاة مع ترسيم والشروع في تنفيذ خطة الإنعاش الاقتصادي، لتبدأ الجزائر مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، عنوانها الحرية والكرامة والتنمية والازدهار، بتضافر جهود جميع الوطنيين المخلصين في التصحيح والتصويب والبناء.

وفي غضون ذلك، سيكون الشعب الجزائري بكامل قواه الاجتماعية والسياسية الحية هو السند والرقيب، يمارس دوره الفعال في مرافقة وانتقاد مشروع الإصلاح، بما يشدّ من عضد الإرادة العليا في التغيير ويعصمها من كل زللٍ.
أمّا تلك الدوائر المعلومة بفكرها العلماني التغريبي الهدام وروحها الانفصالية الخطيرة، وتلك الأصوات المتحيزة ضد هويتنا الوطنية، فستبقى دومًا معزولة تصرخ وحدها في أبراج عاجية بعيدة عن فكر وموقف الشعب في ربوع الجزائر العميقة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here