“الحماقة كما لم يروها أحد” تتحدث عن الجزائر التي لا نراها في التلفزيون

5

يتحدث سمير قسيمي عن روايته الجديدة “الحماقة كما لم يروها أحد” المتوقع صدورها الشهر المقبل عن منشورات الاختلاف، حيث يؤكد قسيمي أنها مختلفة عن باقي أعماله حيث حاول صاحب “يوم رائع للموت” كتابة تلك الجزائر التي لا نراها على شاشات التلفزيون ولا نراها في بطاقات الأعياد. في هذا الحوار يتوقف قسيمي عند بعض المواضيع المتعلقة بأدبه مثل الترجمة والتناول النقدي وابتعاده عن الساحة الثقافية.

تعود برواية جديدة قريبا اخترت لها عنوان “الحماقة كما لم يروها أحد”. هل يمكن أن تضع القارئ في أجواء هذا العمل؟
تدركين أنه من الصعب أن يلخص الكاتب عملا من أعماله، لاسيما هذا العمل الممتد لأكثر من 344 صفحة، اجتهدت ليكون مختلفا ومتميزا عن بقية أعمالي السابقة، فأنا لا أومن بكاتب ينافس غيره، بل بكاتب ينافس نفسه. على الأقلّ، هذا ما يدفعني دوما إلى الكتابة، وهو بالضبط ما دفعني إلى كتابة هذه الرواية التي أشعر أنها أهمّ أعمالي وأكثرها قوة وعمقا، بحيث مازجت فيه بين الاجتماعي والسياسي على نحو يخدم الفكرة التي دفعتني إلى كتابة هذه الرواية، وهي محاولة للإجابة على سؤال كثيرا ما أرقني وظهرت بعض ملامحه في روايات سابقة: “من يصنع من؟ هل السلطة الشمولية تبتكر الشعوب المقهورة، أم أن هذه الشعوب من يخلق جلاديها؟”.

أدركت وأنا أكتب “الحماقة كما لم يروها أحد”، أنني لا أخوض في البحث عن جواب بقدر ما كنت أبتكر بلدا يشبه هذا البلد، ومع ذلك لا يشبهه. لقد كتبت الجزائر التي لا نراها على بطاقات الأعياد وشاشات التلفزيون والتي نقرأ عنها في الكتب، بل جزائر تسكنني أعيش فيها وتعيش فيّ على نحو بعيد كل البعد عن التقديس الذي أجبرنا عليه، خوفا من مواجهة انعكاساتنا على مرايا الحقيقية. إنها الحقيقة التي تجعلني أقول بكل ثقة إننا لم نخترع جلادينا، ولم يبتكرنا هؤلاء، لأننا مجرد نكتة أطلقتها الحماقة في ساعة سكر، وحينها وحينها فقط تسمينا غصبا على المنطق باسم “الشعب” وأطقنا اسم السلطة والنظام على أكثر الأشكال المؤسساتية سخفا وفوضى.

إن ما نعيش من أحداث في الجزائر، وما نشاهده في أروقة المحاكم وكل تلك الأرقام المهولة المتعلقة بالنهب الذي مارسه رجال يفترض أنهم كانوا يرعون مصالح الشعب، يجعلني أصر على كتابة رواية كهذه الرواية.

عند صدور” سلالم ترولار” أعلنت أنها جزء من ثلاثية العاصمة هل تدخل” الحماقة في هذا الإطار”؟
هكذا كنت أفكر أن أسميها “ثلاثية العاصمة”، وكان يفترض أن تضم ثلاث روايات هي: “سلالم ترولار” و”حماقات دوق دي كار” وأيضا “الأحمق يقرأ دائما”، لكنني بعد تفكير، وجدت أنني تسرعت في إصدار سلالم ترولار مستقلة، فقد واجهت القارئ العربي بعمل لم يعتد على مثل هيكلته وأسلوبه وأيضا، لم يقرأ شبيها له في هذيانه المتصل والمنفصل أيضا، حتى أن النقد العربي مع استثناءات قليلة جدا لم يتمكن من هضم هذا النص، بحيث قرأنا مقالات تصنف الرواية في “الديستوبيا” أو تحاول إيجاد علاقة بينه وبين أدب ساراماغو، حتى أنني قرأت مقالات لم يستوعب أصحابها طريقة الرواية في جمع شخوص منفصلة لا يربطها إلا المكان ولا تلتقي إلا في النهاية. إن مثل هذا النقد أكد لي ما ذهبت إليه في مرات سابقة، حين صرحت أن النقد العربي متأخر عن قاطرة السرد والرواية، ومثل هذا التأخر ما جعلنا نقدس الرواية المكتوبة بالطرق التقليدية ونعتقد أنها هي الرواية، وهو الاعتقاد الذي نصدره للأسف إلى الغرب، بحيث صرنا نصدر لهم أعمالا بائسة لا لشيء إلا أنها فازت بجوائز ومعظمها لا يستأهل الحبر الذي كتبت به، ولكن لذلك حديث آخر.

لهذا السبب فقد ارتأيت ألا أصدر العملين اللاحقين لسلالم ترولار منفصلين، وفضلت جمعهما في كتاب واحد بعنوان “الحماقة كما لم يروها أحد”، فهي رواية بروايتين، ليس رواية داخل رواية، بل رواية من روايتين، ولعله بعد وقت سأصدر الثلاثية في كتاب واحد ولكن ليس بعنوان ثلاثية الجزائر كما صرحت من قبل، بل بعنوان “ثلاثية العبث”

يلجأ سمير قسيمي خاصة في أعمالك الأخيرة إلى التجريب في الكتابة، برأيك هل خرجت الرواية الجزائرية من أنماطها التقليدية؟
لا أستطيع الحديث عن الرواية الجزائرية، ولا أحب الخوض فيها. كل ما بقدوري قوله يقتصر على تجربتي التي أحاول أن تكون مختلفة من عمل إلى آخر، وأعتقد أنني أعمل ما يجب لتكون رواياتي واقعية ولكن بطعم وأسلوب مختلف.

تزامنا مع صدور عملك الجديد، تصدر لك أيضا ترجمة فرنسية لرواية ” يوم رائع للموت.” هل ترى أن الترجمة قد أنصفتك؟
غالبا سيكون صدور ترجمة “يوم رائع للموت” التي طبعت مرتين في الاختلاف سابقا، في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر عن دار النشر الفرنسية الشهيرة “أكت سود” وتزامنا مع تصدر نفس الترجمة عن منشورات البرزخ التي ترافق ترجمات رواياتي بالفرنسية، كما فعلت مع ترجمة “حب في خريف مائل” التي صدرت في دار سوي العريقة.

تلاحظين بلا شك، أن ما صدر لي من ترجمات لرواياتي صدر في دور نشر مهمة في فرنسا، وهي ترجمات لم تتم بناء على فوز رواياتي بجوائز، بل لأن الناشر الأجنبي اقتنع بقلمي وشعر بتميز نصوصي، مثلما حدث أيضا مع سلالم ترولار التي طلبتها دار نشر فرنسية واعتذرت بسبب التزامي الأخلاقي مع أكت سود.

أكثر ما يسعدني في الترجمة، أنني لم أسع إليها ولم تكن يوما من أولوياتي، بدليل أن ترجمة “يوم رائع للموت” لم يتم إلا بعد عشر سنوات، وأعتقد أن عددا كبيرا من أعمالي سيترجم، ليس لأنني أرغب في ذلك، بل لأن نصوصي صمدت مع الزمن، وهي على عكسي تملك كل الوقت لينتبه إليها أحد، في حياتي أو في موتي

اعتاد الكتاب في الجزائر على تسويق أعمالهم في معرض الكتاب الدولي، لكن هذه السنة واستثناء أجل المعرض، هل تعتقد أن هذا سيؤثر في وصولك إلى القارئ؟
لا أبدا، فقد حدث أن أصدرت روايات ولم أعمل على الترويج لها في المعرض، ومع ذلك لاقت رواجا وحصدت اهتمام القراء. كما أنني كثيرا ما قلت أن معرضنا أصبح مجرد بزار كتب وليس صالون كتاب بالمواصفات الدولية، ولا يتعلق ذلك بالميزانية التي ترصدها الوزارة له، بل بذهنية القائمين عليه، وهو ما أتمنى أن يتغير ذات قرن

منذ حادثة البوكر اعتزل سمير قسيمي الساحة الثقافية، هل هي قطيعة أم مراجعة للمسار؟
بل مراجعة للمسار، أصبحت أكثر ميلا لرأي شارلتز بوكوفسكي القائل بأن أقوى الرجال هم الأكثر عزلة، فلا شيء في الخارج سوى مصنع للحماقة واختلاط الحمقى بالحمقى. في عالم الكتابة لا توجد صداقات حقيقية إلا نادرا، لا يوجد بشر أيضا مع استثناءات قليلة جدا. هناك كائنات بصقها الوهم على وجه النرجسية الدميم. هناك أموات يرتدون بدلات أنيقة، بوجوه جميلة لا تبتسم إلا أمام الكاميرا، وبمجرد أن تختفي تتعظَّم ويتلبّسها القبح. لا وجود للمبادئ في هذا العالم، كل ما هناك مصالح تدفعها المصالح، كذب يشبه الصدق وصداقات أكثرها صدقا لا صدق فيها.

ومع ذلك، حسن حظي أن جعلتني المشيئة ألتقي بمثقفين وبكتاب أرهن نفسي قرنا، في سبيل الجلوس معهم نصف ساعة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here