ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية من خلال قصة نوح عليه السلام

5
ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية من خلال قصة نوح عليه السلام
ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية من خلال قصة نوح عليه السلام

افريقيا برسالجزائر. صدر حديثا كتاب ” نوح عليه السلام… وميلاد الحضارة الإنسانية الثانية”، عن دار إبن كثير، للمؤرخ والفقيه العلامة الدكتور علي الصلابي، وهو امتدادٌ لمشروعٍ علمي جديد يتعلق بالدراسة المستفيضة عن أولي العزم وقصص الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم.

وقال المؤلف إن البشرية في أشد الحاجة لمعرفة سير الأنبياء والمرسلين من خلال كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشرح تراجمهم وأخلاقهم وأصول دعوتهم من أحاديث الرسول (ص) الصحيحة، وأقوال العلماء الراسخين بأسلوب عصري يلائم المرحلة التي تمرُّ بها الإنسانية الباحثة عن إجابات شافية لتساؤلها عن الله والكون والحياة، والجنة والنار، والقضاء والقدر، والرسالات والنبوات والحضارات الإنسانية القديمة، ومتى نشأت؟ وما مصيرها؟ وسنن الله في خلقه، وأصول الأخلاق، والقيم الروحية…إلخ، وإدارة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال والخير والشر والكفر والإيمان…إلخ.

قسم الباحث كتباه إلى مبحث أول تحدث فيه عن فترة ما قبل نوح عليه السلام، مبيّنا أنه ليس بين آدم ونوح رسول، وأن الأصل في الإنسان التوحيد، شارحا الآيات التي أكدت هذا الأمر، كما ذكر أقوال علماء الآثار والباحثين في الأديان في أصل التوحيد، معتمدا على القرآن الكريم في المادة التاريخية، بإعتباره مصدراً لا يُعلى عليه، ونسبة الحقيقة فيه مطلقة 100% غير قابلة للشك ولا الطعن؛ وفق تعبيره.

وفي المبحث الثاني كان الحديث عن دعوة نوح عليه السلام، ومعنى النبيِّ والرسول في اللغة والاصطلاح وحقيقة النبوة، والحكمة من بعث الرسل والأمور التي تفرد بها الأنبياء، كالوحي وعدم التوريث وأعينهم تنام وقلوبهم لا تنام، والأرض لا تأكل أجسادهم وعصمتهم وأهمية الإيمان بالرسل والأنبياء والمرسلين، وكون نوح من أولي العزم، وكونه أول الرسل إلى أهل الأرض، والأب الثاني للبشرية، وأبو الأنبياء والمرسلين.

أما في المبحث الثالث فقد وضّح المؤلف مواقف قوم نوح من دعوته وكيف كان رد نوح على شبهاتهم بالفعل والمنطق والحجة والبرهان، وكيف واجه قومه بالتحدي والشجاعة والتوكل على الله.

وتناول في المبحث الرابع بيان نوح لربه تجاه قومه وشكواه من معصيتهم له، ودعاؤه عليهم في سورة نوح، مفسرا الآيات التي جاءت في سورة نوح بأسلوب سهل مع عمق وعلم واستفادة من علماء التفسير الكبار، وكانت هناك وقفات من خلال الآيات مع أساليبه في الدعوة في السر والعلن والليل والنهار والحرص على هدايتهم.

وجاء الحديث في المبحث الخامس عن سفينة نوح عليه السلام والطوفان العظيم، وتفسير الآيات المتعلقة بهذه الأمور، وكيف تم إغراق الأرض بالماء؟ وكيف حدث الطوفان؟ وبيَّن الباحث ذلك الحدث الكوني العظيم وتحدث عن الحوار الذي ذكره الله بين الأب المؤمن بالله العظيم الحريص على سلامة ابنه في دينه ودنياه، وبين الابن العاق البعيد عن هداية الإيمان المنغمس في سجن الكفر والضلال.

وفي غمرة الأحداث التي تصورها الآيات القرآنية، وبين صخب الأمواج التي تنحسر وتمتد في بحر هذه الأرض كلها، ينطوي هذا المشهد فجأة لنرى من ورائه مباشرة عودة الهدوء إلى الدنيا ورجوع كل شيء إلى نظامه السابق، فقد هدأت الزمجرة وسكتت العاصفة، وولدت الدنيا كما كانت من جديد، يقول علي الصلابي.

إن تلك الجمل القرآنية العجيبة تصور لك معنى الإرادة الإلهية وسلطانها الرهيب المنبسط على الكون كله، بل القابض عليه كله، تتصرف به كما تشاء في سمائه وأرضه، وبحاره وجباله وفي كل شيء، ليس في حسابها أي معنى لكبير وصغير أو لعظيم وحقير، ألا ترى كيف علقت الآية رجوع كل شيء إلى ما كان عليه بعد أن التقت مياه السماء والأرض على طوفان هائل مخيف على كلمة صغيرة “وقيل”؛ لتصور لك سهولة الأمر وأنه لا يحتاج إلا لهذا الأمر الإلهي الذي به قيام الدنيا وزوالها.

وقد وقف المؤلف مع سؤال نوح عليه السلام ربه في شأن ابنه وطلبه المغفرة والرحمة من عند الله متأملاً ومتدبراً ومسترشداً بأقوال علماء أهل التخصص من أئمة التفسير.

وأكد الصلابي أنَّ نوحاً عليه السلام جاء في نهاية الحضارة الإنسانية الأولى والتي بدأت من آدم عليه السلام، ثم انحرفت عن التوحيد وإفراد العبادة للخالق العظيم وتطورت الحياة الإنسانية على وجه الأرض في قضاياها المادية، وضعفت وأخطأت السبيل في قيمها الروحية ومعرفتها بخالقها العظيم، فأرسل الله عز وجل نوحاً عليه السلام إلى قومه فأقام عليهم الحجة، ومضت سنة الله في زوالهم واستئصالهم وآمن معه القليل الذين أنشأ بهم حضارة السلام والبركات بعد الطوفان العظيم.

هذا وقد حذر الباحث من خطورة الخرافات والأساطير والإسرائيليات والموضوعات التي ألصقت بقصة نوح عليه السلام، وقد لعبت الإسرائيليات دوراً عكر صفاء قصة نوح عليه السلام في كثير من الأحايين، وليس هناك باحث منصف يستطيع أن ينكر أثر الإسرائيليات في هذه الروايات التي تجنح إلى الخيال أحياناً، وإلى منافاتها العقيدة الإسلامية الصحيحة أحياناً أخرى، وإلى تعارض بعضها مع البعض الآخر في مناسبات كثيرة.

وفي هذا الكتاب تم الكشف عن الافتراءات التي نسبها بعض علماء بني إسرائيل إلى نوح عليه السلام، وتحدث الصلابي عن مسألة: هل عمّ طوفان نوح الكرة الأرضية؟ حيث بيَّن أقوال العلماء في هذه القضية التي أخذت حيزاً من التفكير الإنساني، ووضح اهتمام علماء الآثار وتاريخ الأديان بالطوفان العظيم، وكشف بعض الروايات ضعيفة الإسناد التي نسبت للرسول (ص)، وتكلم عن رأي العلماء في مصير الأطفال من قوم نوح عليه السلام.

بينما ورد الحديث في المبحث السادس عن ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية، حيث ذكر المؤلف أقوال العلماء وأهل التفسير وعرّج على صفات نوح عليه السلام وأخلاقه التي تجسدت في شخصه الكريم، فقد كان من أولي العزم من الرسل الذين حققوا التوحيد وإفراد الله بالعبادة، ودعوا إلى ذلك وآمن بعض الناس برسالته وربيَّ من اتبعه على أخلاق وصفات حميدة ساهمت في تأسيس الحضارة الإنسانية الثانية.

إنه كتاب تاريخي قرآني جدير بالقراءة والتأمل في ميلاد ونهاية الحضارات وفق نواميس الكون الربانية، من خلال قصة سيدنا نوح عليه السلام، لكن يريد العبرة والـتأسّي والإصلاح.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here