حملة مكافحة الفساد تدفع الجزائر نحو أزمة قروض

ألقت عملية محاربة الفساد التي يديرها القضاء الجزائري ضد رجال أعمال ومسؤولين نافذين في النظام السابق، بظلالها على البنوك الناشطة في البلاد، خاصة العمومية منها، والتي أغلقت أبوابها في وجه مستثمرين ومستوردين طلبوا قروضا تستهدف تمويل مشاريعهم وعمليات استيراد.
ويأتي ذلك وسط تصاعد التحذيرات في الأوساط الاقتصادية من أزمة قروض بنكية، تهدّد بانكماش الاستثمارات في حال استمرار هذا الوضع لفترة طويلة.

وليد بوعمار مستثمر جزائري كشف عن المشاكل التي واجهها مع البنوك، قائلاً إنه “تقدم بطلب لسحب قرض بـ 100 مليون دينار (نحو 840 ألف دولار) لإتمام تمويل 40 في المائة من مشروع بناء مصنعين أحدهما للحليب في محافظة بشار الصحراوية، إلا أن طلبه رفض مرتين رغم تقديمه ملفات كاملة مع دراسة مكاتب معتمدة لدى وزارة الصناعة”.

وأضاف أن “مسؤول الفرع البنكي أبلغه أن منح القروض بات يتم بطريقة مركزية، أي من الإدارة العامة للبنك، والأكيد أن البنوك باتت لا تمنح القروض عكس الماضي، وهذا أضر بمصالحنا”.

ودخل العديد من البنوك العمومية والخاصة في قلب فضائح الفساد التي فجرتها العدالة الجزائرية منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مطلع إبريل/نيسان الماضي استجابة للحراك الشعبي الساخط الذي ما زال متواصلا.

وكشفت التحقيقات عن منح قروض ضخمة لرجال أعمال مقربين من محيط بوتفليقة دون أن يقدموا ملفات أو حتى ضمانات، ما أدى لسجن 11 مديرا للبنوك، منهم 3 بصفة مدير عام، وذلك بتهمتي منح امتيازات غير مبررة وتبديد المال العام.

هذا الوضع جعل العديد من مسؤولي البنوك يتخوفون من وضع توقيعاتهم على ملفات طلبات القروض، حسب ما كشف عنه كمال رجيمي مستثمر جزائري، الذي لا تختلف معاناته مع البنوك عن معاناة المئات من المستثمرين الذين يجدون صعوبة في الظفر بتمويل لمشاريعهم، رغم وجود سيولة كافية في البنوك.

وأكد رجيمي أن موظفا في أحد البنوك العمومية كشف له عن تعليمات وصلت إلى الفروع البنكية تبلغهم فيها الإدارة عن تمديد آجال دراسة ملفات طلب القروض، مع التوصية برفض أكبر قدر ممكن وذلك لتفادي المتابعات القضائية، وهي وضعية يصفها المستثمر الجزائري بـ “الكارثية لأنها تمنع الاستثمارات وروح المبادرة التي ظلت الحكومة تتغنى بدعمها. وحسب تقارير رسمية، تعمل في الجزائر 29 مؤسسة بنكية، منها 7 بنوك عمومية (حكومية)، و22 بنكا خاصا أجنبيا وعربيا.

وكان البنك المركزي رفع نسبة الاحتياطي الإجباري للبنوك من 8 في المائة إلى 12 في المائة، شهر إبريل الماضي، وعزا قراره بالزيادة إلى الاستقرار الذي تشهده السيولة البنكية في السوق المحلية، بعد الانخفاضات المسجلة عامي 2015 و2016، بالتزامن مع أزمة هبوط أسعار النفط.

وتعد هذه المرة الثالثة التي يقرر فيها المصرف المركزي الجزائري التدخل لتعديل سقف احتياطي المصارف العمومية والخاصة خلال 18 شهراً، بهدف توفير السيولة المطلوبة داخل القنوات الرسمية، إذ سبق أن أمر البنوك، في أغسطس/ آب 2017، بتخفيض احتياطي المصارف من 8% إلى 4% لضخ سيولة أكبر في الأسواق المالية، بينما أعاد رفعها مرة أخرى إلى 8% في سبتمبر/أيلول 2018.

ويتخوف مراقبون من تأثر السيولة البنكية بارتفاع المعروض، ومن جهة أخرى تراجُع نسب النمو جراء غياب المشاريع والاستثمارات، ما قد يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر منذ 2014، وتفاقمت في الأشهر الأخيرة مع تواصل الحراك الشعبي، وعدم التوصل إلى حلول سياسية تنهي حالة عدم الاستقرار.

وإلى ذلك، دعا الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق عبد الرحمن بن خالفة “وزارة المالية للتدخل لرفع القيود عن عمليات التمويل البنكية، إذ لا يمكن أن تواصل البنوك رفض منح قروض خوفا من المحاسبة، فمع الوقت حتى البنوك ستتأثر لأنها تجارية أكثر منها استثمارية”.

وأضاف الخبير الجزائري في تصريح أن “حملة مكافحة الفساد لا يجب أن تقيد البنوك بل تحررها من هيمنة أقلية من رجال الأعمال الذين استفادوا من قروض ضخمة لم تسدد بعد، ويجب على البنوك أن تبادر بتمويل المشاريع حتى تحرك الأموال النائمة في شرايين الاقتصاد الوطني، فلا يمكن أن تستمر الأمور هكذا”.

وفاقت ديون البنوك المستحقة لدى متعثرين جزائريين الخطوط الحمر، ما جعل الجهاز المصرفي يلجأ إلى القضاء لاسترداد أية مبالغ ممكنة. ووفق معلومات فإن ديون البنوك المترتبة على القروض غير المسددة، بلغت حوالي 85 مليار دولار، ما يمثل 12% من إجمالي القروض الممنوحة في السنوات العشر الماضية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here