انقسام داخل قيادة الأفالان

يرسم تسارع الأحداث في قيادة حزب جبهة التحرير الوطني نقاط ظل عديدة على الطريقة التي أصبحت تدار بها شؤونه، خاصة بعد انسحاب عمار سعداني في 22 أكتوبر 2016 تحت الضغط من جهات عليا وفسح المجال أمام جمال ولد عباس لمواصلة مسيرة “التشويش” على المشهد السياسي.

بعنوان “أوامر فوقية” جاء ولد عباس إلى أمانة الأفالان، وخلال الفترة الماضية تدرج الرجل في التمكين لنفسه في منصبه الجديد الذي لم يكن يخطر على بال أحد من المراقبين باستثناء العاملين في مطبخ القرار، ما انعكس بعد ذلك على نشاط الأفالان ونتائجه في تشريعيات ومحليات 2017 التي فقد فيها ريادته المطلقة على البرلمان والمجالس المنتخبة المحلية والبلدية

وبدا أداء الأفالان في الاستحقاقين السابقين مترددا بسبب تدخلات من أطراف خارجة عن الحزب، تتحكم في شؤونه، في إشارة إلى الوزير الأول السابق عبد المالك سلال ووزير ديوانه، عضو المكتب السياسي الحالي، مصطفى رحيال، الذي يتردد اسمه بكثرة في كواليس البرلمان ومقر الحزب، إضافة إلى رجال أعمال مقربين من المحيط الرئاسي مثلما يتداول بين إطارات وقيادات الحزب.

والحقيقة أنه ومنذ الإعلان عن الشروع في تأسيس جمعية للمنتخبين القدامى للحزب العتيد، استغرق ولد عباس في إيجاد الحيل الكفيلة التي تضمن له احتواءها وابتلاعها فيما بعد، وهو ما بدأ فيه فعليا عندما بدّل تشكيلة مكتبه السياسي للمرة الثالثة في ظرف عام واحد، مستحدثا منصب المكلف بالمنتخبين الحاليين والسابقين وإسناد المهمة للنائب سعيدة بوناب، وهو ما أحدث خلخلة نجح صاحب المبادرة محجوب بدة في امتصاصها من خلال إعلانه دعمه ومساندته لمعاذ بوشارب.

أما بالنسبة إلى بدة، فإن الجمعية ليست فضاء سياسيا بل فضاء لتبادل الأفكار وملتقى للمنتخبين السابقين الذين يزخر بهم الحزب، مثلما أشار في خرجاته الميدانية الجهوية في كل من الأغواط وعنابة وقبلهما الجزائر العاصمة.

ويكون ولد عباس شعر بالخطر المحدق، وغاب عن بوصلته اتجاه الرياح من قصر المرادية، فعقد العزم على تفجير الجمعية، لكن مسعاه فشل على اعتبار أن المنضوين تحت مظلتها وبلا استثناء هم من ضحايا ولد عباس الذين زبرهم من المناصب والترشيحات للبرلمان ومجالس البلديات والولايات.

ويؤشر التخبط في قيادة الأفالان أيضا على غياب رؤية واضحة لما يراد بالحزب في الظروف الراهنة، وأنه تحول إلى “مركب” لكل من يريد الوصول إلى المناصب، متناسين أنه “مجرد جهاز وواجهة سياسية تضطلع بتنفيذ القرارات والخطط”، وتحديدا منذ سحب الثقة من الأمين العام الأسبق عبد العزيز بلخادم في مطلع 2013، إذ كان هذا الأخير يقاوم الكثير من التدخلات التي تأتي من خارج الحزب، الأمر الذي حرك ضده مخططا انتهى بدفعه للعودة إلى منزله.

انقسام واضح

الواقع أن ما يحدث في الأفالان ممارسات مسجلة باسمه منذ عقود، فهو مثلما قال الراحل عبد الحميد مهري يشبه سفينة نوح، فيها من كل الأصناف والفصائل والأمزجة والأطوار والطموحات والأطماع. ولعل أزمة البرلمان التي تسبب فيها، من أجل حسابات ظرفية لها علاقة بالرئاسيات القادمة مثلما صرح بذلك الضحية الأول في الأزمة السعيد بوحجة، تعيد تكرار نفسها مع استقالة ولد عباس من عدمها، وهو ما يطرح تساؤلات حول الغاية من ذلك والصمت المطبق من جانب المؤسسات الدستورية الأخرى.

وما يكرس القراءة التي تتحدث عن وجود انقسام داخل الحزب العتيد تصريحات الوزير بدة من عنابة، أول أمس، التي أكد فيها أن اختيار بوشارب خليفة للأفالان (ولو بصفة مؤقتة) تم بقرار من المسؤول الأول في الحزب وهو رئيس الجمهورية، ملقيا على الأرض بيانا غامضا حمل ختم الحزب ونسب ما جاء فيه إلى ولد عباس الذي وضع نفسه في حرج كبير بعدما أرجع عودته إلى بيته إلى المرض! علما أنه هو من تدخل معاتبا الأمين العام للمركزية النقابية، عبد المجيد سيدي السعيد، على تصريحاته برغبته في الخلود للراحة في أقرب فرصة بسبب معاناته مع مرض السرطان.

كما يؤكد البيان المنسوب إلى ولد عباس فرضية التخلي عنه حقيقة، لكن مع رفض أن يكون معاذ بوشارب وريثه لاعتبارات تتعلق بحسابات جهوية بحتة، رغم تلطخ شرعية تزكيته على رأس المجلس الشعبي الوطني لافتقارها للسند الدستوري والقانوني.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here