كورونا تعزز التعامل الالكتروني وتهيئ الجزائريين لمستقبل رقمي واعد

3

الجزائر – افريقيا برس. وسط جهود متسارعة لاحتواء أزمة كورونا الفيروس المستجد في الجزائر، ظهرت قيمة المواطنة، مجسدة في مبادرة أطلقها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تحمل شعار “أنا متطوع.. أنا في خدمة الجزائر”، و”متطوعون في خدمة الوطن، لنتحد ضد كورونا”، خطوة اعتبرت ترقية حقيقية لسلوك المواطنة، في مقابل ذلك، ومن أجل تدبير جوانب عدة من شؤون الحياة اليومية الضرورية، لجأت فئات واسعة من الجزائريين، إلى الأنترنت للتعليم عن بعد، أو العمل عن بعد أو للشراء والبيع عن بعد، وظهرت أول خطوات تنمية المواطنة الرقمية بولوج العالم الافتراضي والتفاعل معه…
هذا الواقع الذي فرضه فيروس كورونا المستجد، اقتضى على الجزائريين، انتهاج مسار مغاير يحمل الكثير من الفعالية في الاتصال المؤسساتي، والتعامل الإلكتروني لمواجهة الأزمة، والاتجاه نحو مشاركة رقمية مجتمعية، يكون فيها المواطن أساس الثقة باستخدام أدوات التكنولوجيا في جميع المجالات ومن دون إقصاء إلكتروني لأي فرد من المجتمع.

ومنذ بدء أزمة فيروس “كوفيد 19″، أغلقت شركات وتحوّلت أخرى من الربح إلى الخسارة، وتحت وطأة الوباء، ازدهرت بالمقابل قطاعات اقتصادية بينها التجارة الإلكترونية، التي عرفت انتعاشا حقيقيا ساهم في إقبال الكثير من المتعاملين الاقتصاديين، على تسجيل أنفسهم ضمن القيد الخاص بهذه النوع من التجارة.

وأدت الحاجة الملحة التي فرضتها كورونا، إلى التعامل إلكترونيا وغيرت ذهنيات بعض المستهلكين، وهو ما شجع أكثر المتعاملين الاقتصاديين، على التجارة الإلكترونية.

وفي هذا الصدد أكد الدكتور عبد القادر بريش، أستاذ الاقتصاد في المدرسة العليا للتجارة، أن الحجر الصحي للوقاية من كورونا ساهم في رفع مستوى التجارة الإلكترونية بتسجيل 300 ألف عملية بيع إلكتروني خلال 3 أشهر، لكن يبقى هذا الرقم مقارنة بدول أخرى قليلا.

وأكد بريش، أن معدل عمليات الدفع الإلكتروني من طرف بعض الجزائريين، شهد ارتفاعا خلال الحجر الصحي للوقاية من فيروس كورونا، حيث لجأ الكثير منهم إلى استخدام البطاقة البنكية والبطاقة الذهبية البريدية، لدفع بعض الفواتير وسحب الأموال، وهي خطوة نوعية نحو تغيير الذهنيات والتوجه نحو الرقمنة.

وكان بيان لبريد الجزائر كشف عن تسجيل ما يفوق 959 مليون دينار جزائري خلال 4 أشهر الأولى لسنة 2020، جراء الدفع الإلكتروني، وبمعدل 273 ألف عملية شهريا منذ مارس الماضي، في حين السنة الماضية معدل الدفع الالكتروني مثل 52 ألف عملية شهريا.

وفي مجال الخدمات المجانية الإلكترونية سمحت التكنولوجيا خلال الحجر الصحي الذي فرض كإجراء احترازي للحد من انتشار عدوى الوباء، بمواصلة الروابط الاجتماعية وبالاستفادة من الاستشارات القانونية والطبية، وكان من الضروري في عز الحجر الصحي، الحاجة إلى الطبيب ولو عن بعد، لمعرفة أسباب بعض الأعراض المرضية، وكانت منصة “إ.طبيب” الإلكترونية، التي قدمت خدمات مجانية للاستشارة الطبية خلال الحجر المنزلي، قد مكنت المرضى من استئناف مواعيدهم عن بعد، وتخفيف الضغط عن المستشفيات، وهي منصة تعتبر أحد المشاريع الرقمية المبتكرة في الجزائر، أطلق من طرف شركة محلية عاملة في مجال الحلول الذكية بقطاع الصحة، يمنح خدمات مجانية عن بعد باستخدام الهاتف والحاسوب.

يعتبر التفاعل مع “الفايسبوك” وحتى “التويتر” منذ بداية أزمة كورونا، بشكل كبير خلال الحجر الصحي، والترويج للخدمات المجانية، وعمليات التطوع في الكثير من النشاطات، وكذا النقاشات في جميع المجالات بما فيها السياسية، أحد خطوات المساهمة في تقليل الفجوة الرقمية بين المواطن والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، قال الدكتور رضوان بوهديل أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إنه رغم التدفق الضعيف للانترنت، إلا أننا لا ننكر، حسبه، أن مرحلة جائحة كورونا، ساهمت في الدفع نحو الرقمنة، وأتاحت الأزمة الصحية، فرصة الاستعمال الإلكتروني، كالتعليم عن بعد، والعمل عن بعد، وباتت الرقمنة جزءا من الخطاب السياسي.

وشدّت تغريدات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، عبر “التويتر” كخطاب سياسي في 3 أسطر أو سطرين أحيانا، انتباه الشباب ووسائل الإعلام، والساسة، ليعتبر بذلك أول رئيس في الجزائر يعتمد منصات التواصل الاجتماعي، لاستقطاب وخطاب المواطنين، فقد كتب بمناسبة الإعلان عن نتائج امتحانات شهادة البكالوريا، ما يلي”التقدير والتهاني للناجحات والناجحين في البكالوريا. تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح في مشواركم الجامعي، وحظ أوفر لغير الناجحين، العام المقبل بحول الله”.

وأوضح الدكتور رضوان بوهديل، أن الفضاء الافتراضي هو مكان أوسع لتفاعل المواطن مع الأخبار، كما أن التغريدة الخاصة برئيس الجمهورية تصل العالم في ثوان، وهي فرصة لاحتواء الأكاذيب وكل ما يمس بسيادة الجزائر.

ويرى الدكتور رضوان بوهديل، أن الوصول إلى المواطن وخاصة فئة الشباب تستدعي اليوم، استعمال الفضاء الرقمي، فكما أن وسائل التواصل الاجتماعي هي أحد أدوات تداول المعلومة والخبر بين الناس عبر مختلف أنحاء العالم، واستطاع في الجزائر أن يكسر احتكار المعلومة من طرف الإعلام الثقيل المتمثل في القنوات التلفزيونية والإذاعية، والجرائد، وتكوين ما يسمى بـ”المواطن الصحفي”.

ورغم أن أخبار “الفايسبوك” ليست صحيحة في جميع الأحوال، وتفتقد للمصداقية والجوانب الفنية أحيانا، إلا أن أخبارا استعانت بها مؤسسات إعلامية معروفة في الجزائر، وأشار رضوان بوهديل، إلى أن المدة الأخيرة في الجزائر تصدت بيانات المؤسسات الرسمية للشائعات التي ملأت منصات التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” و”التويتر”، و”اليوتيوب”، حيث تفند في كل مرة أخبارا ضالة وكاذبة.

وقال الدكتور رضوان بوهديل أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن البث التفزيوني عبر “الواب”، يسمح لمستخدمي الأنترنت مشاهدة محتوى فيديو أي محتوى تلفزي، باستعمال الهواتف النقالة والحواسيب، وبهذا يمكن تتبع الأخبار لحظة بلحظة، واحتواء الأخبار الكاذبة، والتصدي للشائعات، حيث يتيح لفئة واسعة عبر العالم تتبع أخبار تلفزيون الأنترنت.

من جهته، ثمّن عضو مجلس الأمة السيناتور عبد الوهاب بن زعيم، مجهودات السلطات العمومية في تحفيز الشباب على ولوج العالم الافتراضي، وهذا بتفعيل صفحات هيئات رسمية، مؤكدا أن التفاعل مع الحملة الخاصة بالاستفتاء الدستوري، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وتولي الأحزاب الصغيرة التي وجدت نفسها خارج الحملة الانتخابية، مهمة الحث عن المشاركة في استفتاء الفاتح نوفمبر، في حين أن أغلب الأحزاب اختارت “الفايسبوك” و”التويتر” و”اليوتيوب”، للتفاعل مع الحملة، كوسائط اجتماعية أقرب للمواطن والأكثر تأثيرا.

وقال بن زعيم، إن المواطن يتابع المعلومة لحظة بلحظة، ويعلق على الحدث ويتفاعل معه، من خلال الهاتف النقال أو جهاز الكومبيوتر، مضيفا أن شرح الدستور وتحليل محتواه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ساهم في الكثير من الوعي لدى المواطن، وجذب المشاركة النوعية في المواطنة الرقمية.

ورحب بقرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القاضي بتشجيع المؤسسات الناشئة على العمل بالشراكة مع مؤسسات خاصة بالتكنولوجيا في مجال صناعة الهواتف النقالة، وبهذا، حسبه، يكون بإمكان شريحة واسعة من الجزائريين امتلاء هاتف ذكي واستغلاله في ولوج عالم الرقمنة.

ودعا النائب عبد الوهاب بن زعيم، الشخصيات السياسية إلى التفاعل مع الأحداث عبر منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم وإبداء رأيهم بوضوح والتعليق على أي أمر يتعلق بالسياسة بكل شجاعة، وهذا للمساهمة في إرساء أسس المواطنة عبر الرقمية.

يرى خبراء في المعلوماتية أن الشباب في الجزائر هم أكثر من ساهموا في استخدام التقنية وولوج العالم الافتراضي، وأن التعليم عن بعد الذي أطلقته وزارة التربية في الجزائر شهر أفريل الماضي من خلال برنامج دعم عبر الأنترنت لفائدة تلاميذ السنة الرابعة متوسط والثالثة ثانوي وتخصيص منصة رقمية لفائدة تلاميذ السنة الخامسة ابتدائي، كخطوة في إطار التدابير المتخذة للحد من عدوى كورونا، كان فرصة لممارسة التلاميذ الرقمية.

وعملت وزارة التعليم العالي، تقديم المحاضرات خلال مرحلة الحجر الصحي، عبر الأنترنت، كما عمدت بعض الشركات والمؤسسات حل العمل عن بعد، من خلال استغلال هذه التقنية، ويعتبر الشباب هم أكثر استعمالا للنشاط الإلكتروني.

ويعتبر خبير المعلوماتية، الدكتور عثمان عبد اللوش، أن العالم الرقمي في الجزائر يشهد ممارسة شبابية، وأن الأنسب للمواطنة الرقمية هم شباب أقل من 30 سنة، وهذا لامتلاك بعضهم أدوات الرقمنة، وقدرتهم على بناء هوية رقمية صحيحة من خلال التفاعل مع العالم الافتراضي، واستعمال التقنية الرقمية.

قالت الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة ثريا التيجاني، إن أساس المواطنة الرقمية هو التوجيه من خلال تنصيب لجان وهيئات تكوين في مجال التكنولوجيا، موضحة أن المواطن الرقمي لا يأتي عشوائيا، ولابد حسبها، من ربط أهمية الرقمية بمصلحة البلاد.

وترى التيجاني، أن كل المجالات اليوم تحتاج إلى الرقمية، وأن المساعدة المادية وإيجاد حلول لمناطق الظل في الجزائر تساعد في الذهاب إلى الجزائر الجديدة من خلال الرقمية.

وقالت “إن الجزائري يترقبه خوف من المستقبل في مجال الرقمية، وأن إقحام العولمة والرقمية يجب أن يكون في العلوم الإنسانية والاجتماعية”، مضيفة أن تنمية قيم المواطنة الرقمية لا تكون إلا بتعليم الطفل في المدرسة استخدام التكنولوجيا بشكل مناسب، وإعداده من أجل مجتمع تكنولوجي صحيح، وتعزيز ثقافة الرقمية، ونشر الوعي حول الحقوق والمسؤوليات والتمكين من الاتصال والتواصل الرقمي.

وأكدت أستاذة علم الاجتماع في جامعة الجزائر2، الباحثة ثريا التيجاني، أن صعوبة الولوج للخدمات الرقمية أحيانا يؤدي إلى عدم ثقة المواطن في الخدمات الإلكترونية.

وقال النائب في مجلس الأمة، عبد الوهاب بن زعيم، إن مشكل عدم الثقة في الرقمنة يتعلق بالإدارة التي لم تساير التكنولوجيا، وإن تدفق الأنترنت أكبر معضلة تواجه تحقيق المواطنة الرقمية.
من جهته، يتأسف خبير المعلوماتية، الدكتور عثمان عبد اللوش، من وجود فجوة رقمية كبيرة بسبب مشكل التدفق الضعيف للأنترنت، وعدم وجود مساواة وتكافؤ الفرص في الاستفادة من الأنترنت وغيابها تماما في نقاط الظل، وانتشار الأمية الرقمية بشكل واسع في الجزائر.

وطالب الدكتور رضوان بوهديل أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بضرورة حل مشكل سرعة الأنترنت، وإقحام المؤسسات التربوية في الرقمنة ولو بشكل تدريجي، والحد من الأمية الرقمية، وتدعيم الفرد بأدوات الرقمية وتهيئة المؤسسات التربوية وتزويدها بهذه الأدوات، والتعامل مع الكفاءات العصامية في مجال التكنولوجيا.

وفي سياق الموضوع، استبشر المحامي والحقوقي والنائب السابق في مجلس الأمة، صويلح بوجمعة، خيرا فيما يخص رقمنة قطاع العدالة، وقال إن العدالة حققت قفزة نوعية في الإصلاح الإلكتروني، وحاولت بكل جهودها أن تتلاءم مع مرحلة الحجر الصحي، مع برمجة في العدالة الجنائية، ومع المحبوس، وحالات الإيداع في القضايا المعقدة، واللجوء إلى أسلوب المرونة في العدالة الإدارية والاجتماعية والتجارية، عدى قضايا الاستعجالي التي تتطلب الإسراع.

واعتبر إطلاق نظام “النيابة الإلكترونية”، من طرف وزارة العدل، وتمكين كل شخص معنوي أو طبيعي تقديم شكوى لوكلاء الجمهورية إلكترونيا، بمثابة استقطاب المواطنين، نحو الرقمية، ويأتي هذا حسبه، في ظل تزايد الجرائم وظواهر الانحراف في المجتمع.

ولكن حسب المحامي صويلح يبقى باب الاجتهاد مفتوحا فيما يتعلق بالعدالة الإلكترونية، وذلك لسن قوانين تضمن الآمان في العالم الرقمي وتحمي المواطن وتضمن حقوقه.

وفيما يتعلق بالتجارة والاقتصاد، أكد الدكتور عبد القادر بريش، أستاذ الاقتصاد في المدرسة العليا للتجارة، أن ضرورة تعميم الدفع الإلكتروني عند جميع التجار، والتزويد بأجهزة الدفع بالبطاقة الذهبية والبنكية في المحلات التجارية، ينبغي أن تتبعه توعية وكسب ثقة المستهلك في مثل هذه التعاملات.

وقال إن إلزام الشركات العمومية والمؤسسات مثل “سونلغاز” و”سيال” و”ألجيري تليكوم”، التعامل إلكترونيا مع الزبائن سيكون له صدى ويمهد للدخول في المواطنة الرقمية، كما أن احتواء السوق الموازية بالتجارة الرسمية ومحاربة الغش الضريبي عن طريق الرقمنة الجبائية والسجل التجاري الرقمي، يجب أن يتم بتجنيد نسبة 80 من المائة من عمال وزارة التجارة في المراقبة والمكلفين بمكافحة التهرب الضريبي.

وأوضح الدكتور بريش، أن الرقمنة وفي جميع القطاعات والتعاملات، تنصب فائدتها في الأخير لصالح الاقتصاد الوطني من خلال توقيف تنقل العمال وسير سياراتهم وتقليص التلوث، والحركة المرورية وغيرها من السلوكات المضرة بالاقتصاد.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here