التفجيرات النووية بإينيكر.. شاهد على وحشية المستعمر

5

الجزائر – افريقيا برس. تعود الذاكرة لتروي مع مطلع شهر أكتوبر من كل عام، جرائم التفجيرات النووية الفرنسية، في أحشاء جبل تاوريرت بمنطقة اينيكر على بعد 240 كلم شمال مدينة تمنراست، والتي يمر على آخر تفجير بها من مجموع 13 تفجيرا نوويا، قرابة 54 سنة، نفذته الإدارة الاستعمارية ضمن برنامجها النووي الساعي للدخول إلى النادي النووي.

وبلغت شدة التفجير النووي لإحدى التجارب بمنطقة انيكر بتاريخ أول أكتوبر 1965، ما يعادل تفجير 5 كيلو طن من مادة ”التي أن تي”، وقد أطلق على التجربة النووية اسم ”كوريندون”، وحسب أحد العمال الجزائريين بموقع التفجير، فإن الغبار الذي تطاير عقب التفجير مباشرة، غطى سماء المنطقة، لأكثر من نصف ساعة، وسط تعتيم فرنسي على قوة التفجير وآثاره على البيئة والحيوانات البرية، التي تضررت جراء تلوث المراعي القريبة من المنطقة، ما أجبر مربي الإبل إلى مغادرة المكان حفاظا على أرواحهم، وإنقاذ ما تبقى من الإبل.

التفجيرات 13 التي أجريت في السنوات ما بين 1961 إلى 1966، كانت تتم وسط تعتيم إعلامي فرنسي، في سبيل سعي فرنسا إلى الدخول للنادي النووي، ولو على حساب الناس الأبرياء، الذين كانوا يجهلون ما يحدث لهم، ومنذ ذلك اليوم، وصحراء منطقة انيكر، ملوّثة بالإشعاعات النووية، ومازالت تحتضن بين رمالها ”عقارب نووية” تتربّص بسكان الجنوب الذين ارتفعت بينهم الإصابات بأمراض السرطان، الأمر الذي أرجعه الأطباء إلى التسريبات النووية، التي تنبعث من منطقة اينيكر، وهو ملف لا يزال الغموض يكتنفه، جراء تستر فرنسا على المعلومات الخاصة به.

وتبقى خطورة التجربة بالمنطقة قائمة، لأنها كانت سطحية ومموهة، وليست باطنية، وشابتها كثير من الأخطاء، ما سمح بوصول مستوى الإشعاع النووي إلى مناطق بعيدة، حسب ما تحدثت عنه الصحافة الأمريكية في حينها، والتي اعتبرت أن التجارب الفرنسية بالجنوب الجزائري، استعمل فيها البلوتونيوم 239 الذي يستعمل في صناعة القنابل النووية، وهو عنصر مشع، قد يمتد عمره الافتراضي إلى أكثر من 4.5 مليار سنة، وله تأثيرات خطيرة على الزراعة ومياه الشرب والمنطقة برمتها، حسب الدكتور العراقي كاظم العبودي، المختص في الفيزياء النووية بجامعة وهران، ورئيس جمعية رقان في الذاكرة، والذي زار المنطقة أكثر من 15 مرة، آخرها سنة 2014، بمناسبة الملتقى الذي نظمته جمعية 8 ماي 1945، وقدم محاضرة بعنوان ”التفجيرات النووية الفرنسية في منظور القانون الدولي”، والذي يؤكد في أبحاثه، أن فرنسا، قامت بتجارب سرية بالمنطقة، استعمل فيها البلوتونيوم، وتعاملت فرنسا بسرية تامة مع كل ما يخص تجاربها النووية في صحراء الجزائر، حيث يؤكد أن العمال بموقع التفجيرات، أجبروا على مغادرة موقع العمل قبل ساعات من إجراء التفجير.

من جهته، المؤرخ الدكتور لحسن زغيدي، بمحاضرة له بدار الشباب تمنراست، ذكر بأن شدة التفجيرات بمنطقة اينيكر، تعادل 20 مرة ما تم تفجيره في مدينة هيروشيما اليابانية سنة 1945، ومنطقة اينيكر اليوم شاهد على الجريمة الفرنسية، فهي عبارة عن منطقة جرداء خاوية من كل النباتات والحيوانات، ورغم قيام السلطات بوضع سياج من الأسلاك لمنع وصول إلى مكان التفجيرات، خاصة من طرف المهاجرين الأفارقة الذين نهبوا البقايا الحديدية، من أجل إعادة بيعها للحرفيين، لكن ذلك لم يمنع تسرب المواد المشعة إلى المناطق السكنية التي يعاني سكانها من انتشار مرض السرطان والعقم والتشوّهات الخلقية للمواليد، إلى غاية اليوم، وحسب الدكتور العراقي، فإن الحل الأمثل هو القيام بمسح شامل للمنطقة لمعرفة نسبة الإشعاع النووي، واتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها تخفيف الأخطار التي تهدد سكان المناطق المجاورة.

لا يزال أهالي مناطق التفجيرات يدفعون الثمن، خاصة أن 90 من المائة من التفجيرات سجلت بعد الاستقلال، وحسب الكاتب العام لجمعية تاوريرت لضحايا التفجيرات النووية الفرنسية بالمنطقة، فإنه لغاية اليوم تسجل حالات إعاقة جسدية أو عقلية بين المواليد الجدد بالعشرات من القرى المجاورة لمنطقة التفجيرات ولغاية تاريخ اليوم، فخلال كل عشر حالات ولادة جديدة تسجل حالات لمواليد معاقين، بسبب الانتشار الواسع للإشعاعات النووية بالمنطقة، في محيط أجريت فيه 13 تفجيرا نوويا، أطلق عليها أسماء الأحجار الكريمة، استخدمت فيه فرنسا متفجرات شدتها أكثر من 405 كيلو طن من مادة “تي.أن.تي”، حيث كان أول تفجير بتاريخ 7 نوفمبر 1961 أما آخر تفجير فوقع بتاريخ 16 فيفري 1966. وحسب السيد ايبا فإن تفجير 1 ماي 1962 مثلا، والذي أطلق عليه اسم ”بيريل” والذي حضره وزير الجيوش الفرنسية، مرفوقا بوزير البحث العلمي الفرنسي، كان مبرمجا أن يكون بطاقة 15 كيلوطن فقط من مادة TNT، لكن بسبب خطأ في جهاز ضبط التفجيرات، تضاعفت كمية المواد المتفجرة فيه، لتصل شدة الانفجار إلى 150 كيلو طن، ونتجت عنه سحابة وغبارا متطايرا وصل إلى حدود عاصمة تشاد نجامينا نتيجة هبوب الرياح.

ومن أجل نفض الغبار عن معاناة الأبرياء باشرت إحدى الجمعيات المهتمة بتداعيات التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، إحصاء شامل لكل المتضررين منذ سنوات، وخاصة النساء، لكن العملية كانت صعبة، بسبب شساعة المنطقة المفتوحة على الهواء الطلق، إضافة إلى أن الآباء العاملين بموقع التفجيرات، انتقلت الأمراض المصابون بها، إلى نسائهم وأبنائهم، ما جعل حصر عدد الضحايا غير ممكن، وتسبب في الانتشار الواسع لمرض السرطان، خاصة سرطان عنق الرحم والثدي، إضافة إلى زيادة عدد الأطفال المشوّهين خلقيا من ضحايا هذه التفجيرات النووية. أمام رفض فرنسا الاستعمارية لمطلب التعويضات لضحايا هذه التجارب، من خلال فرض شروط تعجيزية ومعايير صارمة لطالبي التعويض، والمعروف إعلاميا بقانون مورا، ما يتطلب من سلطات الولاية، تحويلهم إلى المراكز البيداغوجية، الخاصة بالأطفال ذوي الإعاقة، والمساهمة في التخفيف من معاناتهم المتواصلة منذ عقود من الزمن.

وفي إطار نفض الغبار عن قضيتهم العادلة والتوثيق لجرائم فرنسا الهمجية من خلال تجاربها النووية السرية، في حق أبناء المنطقة، باشرت جمعية تاوريرت لضحايا التجارب الفرنسية بمنطقة الهقار، عملا توثيقيا للضحايا الذين عايشوا التجارب الفرنسية الـ 13، بين فترتي 1961 إلى غاية فيفري 1966، من خلال الاستماع إلى شهادتهم الحية، حول الأضرار التي يعانون منها من خلال عملهم بحقل التجارب الفرنسية، دون علمهم بما تنوي فرنسا الاستعمارية القيام به، مستغلة جهلهم، والحاجة المأساة للعمل، لاستعمالهم كفئران تجارب، لمعرفة أثر الإشعاعات النووية على الإنسان، وبحسب أعضاء الجمعية، الذين يقومون بالتنقل بين القرى القريبة من منطقة التجارب بمنطقة اينيكر، وقد تفاجأ ممثلو الجمعية، من أن الأغلبية من سكان تلك القرى، لا يزالون يعانون من عدة أمراض، كالسرطان وفقدان البصر، بعد نصف قرن من تاريخ التجارب، ولم يسلم من تلك الأضرار حتى الأطفال الصغار، الذين يعانون من مشكل التشوّهات الخلقية ونقص الذكاء وصعوبة النطق.

ومن أجل الاستماع لشهادات بعض العمال في تلك الفترة، تنقلت “الشروق اليومي” إلى مقر المنطقة الإدارية لعين صالح، حيث استمعت إلى شهادة الحاج مختار، البالغ من العمر 68 سنة، الذي يعاني حاليا من عدة أمراض، كضعف البصر إضافة إلى متاعب على مستوى الركبتين، حيث يقول بصوت خافت، بعد معاناتي من البطالة انتقلت مطلع سنة 1962 إلى عاصمة الولاية تمنراست، بحثا عن عمل أقتات منه، وبعد أسابيع من الانتظار بمكتب العمل، تحصلت رفقة أحد أقاربي على فرصة للعمل بمدينة عين امقل شمال تمنراست، ضمن شركة فرنسية، قيل لي إنها تعمل في البحوث المنجمية عن الذهب، لكن مع بدايتي للعمل نهاية 1962 اكتشفت أن العمل شاق جدا، ويتمثل في حفر خنادق عميقة وسط الأرضية الجبلية، وكنا نقوم بتحويل كوابل من الحجم الكبير، وتحت رقابة المهندسين الفرنسين، كنا نعمل من الساعة السابعة صباحا إلى منتصف النهار، وبعد فترة الاستراحة والغداء لمدة ساعة ثم نعود للعمل حتى الخامسة مساء، مقابل أجر شهري لا يتعدى 800 دج.

يقول الحاج مختار، كنا نجهل حقيقة عملنا في الشهر الأولى، ومع أولى تجربة للتفجيرات، اكتشفنا خطورته، وكان يوم التفجير يطلب منا الابتعاد عن مكان عملنا إلى مسافات بعيدة، لكننا كنا نشعر بقوة التفجيرات مع تطاير الغبار وتزلزل الأرض من تحت أقدامنا دون معرفتنا لخبايا ما حدث، ويواصل الحاج أنه استمر في العمل واستمرت التجارب لأكثر من ثماني مرات متتالية حتى نهاية 1966، حيث يقول فضلت المغادرة والبحث عن مصدر آخر للرزق، وأنا اليوم أدفع ثمن عملي بذلك المكان، جراء متاعب صحية، تلازمني منذ سنوات، صرفت الكثير من المال لكن دون جدوى بحسب الأطباء، أنا مع بقية زملائي نطالب فرنسا بالاعتذار أولا، ثم التعويض المالي عن الأضرار التي لحقت بنا كعمال، في خنادق التفجيرات، الذين كانت تسميهم فرنسا عمال الواحة الكادحين، وهو تمييز عنصري من فرنسا الاستعمارية بحسب السيد توهامي نائب رئيس الجمعية.

ولخص نائب رئيس الجمعية، الأستاذ عبد الكريم توهامي، مطالب الجمعية في نقاط أربع أساسية، أهمها مطالبة السلطات الفرنسية بإيفاد خبراء للموقع التفجيرات، لقياس مستوى الإشعاعات الحالي، من أجل تطهير الموقع من الآلات المدفونة التي استعملت في العملية، إضافة إلى مطالبة السلطات التكفل بالمرضى بالمنطقة المصابين بالأمراض المسرطنة، نتيجة التفجيرات، ومنحهم كامل الأجهزة الطبية التي تساعدهم على الحركة، وتسمح لهم بالحصول على العلاج، أما المطلب الثالث للجمعية فهو ضرورة تكييف نصوص قانون مورا، الخاص بتعويض ضحايا التفجيرات الفرنسية عبر إفريقيا، مع الأمراض المتواجدة ميدانيا بمنطقة اينيكر، أما المطلب الأخير فهو ضرورة إدراج موضوع التفجيرات الفرنسية بالجزائر في المناهج التربوية، لأن التفجيرات جريمة استعمارية من حق أبنائنا الاطلاع على كل حيثياتها، يضيف الكاتب العام للجمعية. وفي انتظار رفع السرية عن ملف التفجيرات يبقى الإنسان بالمنطقة يدفع الثمن.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here